x قد يعجبك أيضا

معضلة الضربة الأولى فى الحرب بين أمريكا وإيران

الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:05 م

هل تنتظر إيران حتى تحلّق الطائرات الأمريكية فى سمائها، أم تبادر بضربة استباقية تغيّر قواعد اللعبة؟ لم يعد السؤال نظريًا. فما تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تنفيذه الآن هو استكمال ما لم تحققه حرب الـ12 يومًا من أهداف، وهى إسقاط النظام الإيرانى، وتجريد إيران من ترسانتها الصاروخية، وتدمير بنية برنامجها النووى، بينما يحارب النظام الإيرانى من أجل البقاء. فمن سيضغط الزناد أولًا؟
تفاصيل الحشد العسكرى الأمريكى تُظهر أنه يتطور بسرعة لا تتناسب مع تقدم المفاوضات الدبلوماسية بين الأطراف، إذ يضم الحشد بالفعل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها القتالية، وتنضم إليها الحاملة جيرالد فورد، فيما لا تزال الحاملة جورج بوش فى طريقها إلى المنطقة. كما نفذت القوات الأمريكية الأسبوع الماضى وحدها أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل أنظمة أسلحة وذخائر إلى الشرق الأوسط. وخلال يوم واحد فقط، توجهت 50 طائرة مقاتلة إضافية من بين الأكثر تطورًا فى سلاح الجو الأمريكى، من طراز إف-35 وإف-22 وإف-16، لتعزيز القوة الجوية المحتشدة فى سماء الخليج. وبذلك تشير الحسابات إلى أن إجمالى المقاتلات فى المنطقة يقترب من 500 طائرة، مدعومة بـ25 طائرة تزوّد بالوقود جوًا، وست طائرات أواكس للاستطلاع تحلق على مدار الساعة.
يرى الخبراء الأمريكيون أن هذا الحشد لا يندرج فى إطار الضغط الرمزى أو المناورة السياسية، بل يعكس استعدادًا فعليًا لشن ضربة عسكرية إذا لم تقدم طهران تنازلات كبيرة بشأن عدة مطالب، على رأسها برنامجها النووى وقدراتها الصاروخية. وكلما ارتفع حجم القوة الأمريكية المتواجدة فى الشرق الأوسط، ضاقت مساحة التراجع السياسى، وصعب على الرئيس الأمريكى الانسحاب دون مقابل واضح. الرئيس ترامب، وفق أحد مستشاريه المقربين، بدأ يفقد صبره بشكل ملحوظ، رغم تحذير بعض المحيطين به من مغبة خوض حرب واسعة مع إيران. وقد ذهب المستشار نفسه إلى أبعد من ذلك، معبرًا عن اعتقاده بوجود احتمال يصل إلى 90% لحدوث تحرك عسكرى خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وفى هذا تباين مع حقيقة التحركات على الأرض، حيث أبلغ البنتاجون البيت الأبيض جاهزيته لمهاجمة إيران اعتبارًا من اليوم 21 فبراير.
• • •
فى المقابل، تتعامل استراتيجية طهران مع المشهد باعتباره صراع إرادات طويل الأمد. فلسفة المواجهة الإيرانية لا تقوم على منع الضربة الأولى بقدر ما تقوم على صدها واستيعابها، ثم الرد عبر أدوات متعددة، أهمها الآلاف من الطائرات المسيّرة، وترسانة الصواريخ الباليستية والمجنحة، التى تُعد من الأكبر فى الشرق الأوسط وتُقدّر بما يزيد على ثلاثة آلاف صاروخ باليستى متنوع فى المدى والقدرات، من قصيرة ومتوسطة إلى مدى يصل إلى نحو 2,000–2,500 كم، وتشمل أنواعًا مثل سجيل وعماد وشهاب. وذلك إضافة إلى ورقة الملاحة فى مضيق هرمز، الذى يمر عبره قرابة 20% من تجارة النفط العالمية. وأى تعطيل للمضيق، ولو جزئيًا، سيترجم فورًا إلى قفزة فى أسعار الطاقة، وضغوط تضخمية، وتداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
إذا انتظرت إيران الضربة الأولى، فإنها تخاطر بفقدان جزء مهم من بنيتها العسكرية فى الساعات أو الأيام الأولى، كما تخاطر بتدمير منصات الصواريخ المتحركة والثابتة، وضرب مراكز القيادة والسيطرة. كما أن الدفاعات الجوية الإيرانية، حتى لو كانت محلية الصنع ومطوّرة، ستواجه حربًا إلكترونية من المقاتلات الأمريكية من طراز «إى إيه ــ 18 جى جراولر» التى تعطل الرادارات وتغرقها بأهداف وهمية. كذلك تغامر بإلحاق ضرر بالغ بهرم القيادة الإيرانية أو بمخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. فبحسب تقارير مراقبة حركة الطيران، هبطت نحو 20 طائرة عسكرية أمريكية فى أرمينيا وأذربيجان، تتضمن طائرات إم سى ــ 130 التى تستخدمها القوات الخاصة العاملة خلف خطوط العدو. ومن المتوقع أن توكل إليها مهام تخريبية على هذا النحو.
أما إذا بادرت إيران بالهجوم، سواء عبر استهداف حاملات الطائرات أو ضرب قواعد فى المنطقة أو إغلاق المضيق، فإنها تمنح خصومها مبررًا سياسيًا وقانونيًا لتوسيع نطاق الحرب، وربما حشد دعم دولى أوسع. الضربة الاستباقية تمنح عنصر المفاجأة، لكنها تسحب من صاحبها ورقة "الدفاع المشروع" فى نظر كثير من العواصم المتحفزة بالفعل. لكن فى المقابل، يمكن لهذه الضربة أن تستنزف الدفاعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية باهظة الثمن، وأن تضرب قواعد أمريكية فى الخليج، وحاملات الطائرات التى تتربص بسواحلها، وأهدافًا إسرائيلية حيوية فى عمق الدولة. وكلما أيقنت إيران أن نهايتها حتمية، جرّت المنطقة كلها إلى الفوضى.
فى مناخ كهذا، يصبح الحشد العسكرى المكثف والتصعيد الخطابى عاملين ضاغطين، لا على طهران وحدها، بل على صانع القرار فى واشنطن أيضًا. فكل يوم يمر مع هذا المستوى من التعبئة يرفع سقف التوقعات، ويجعل التراجع أكثر كلفة سياسيًا. والسيناريو الأكثر ترجيحًا، فى حال اندلاع المواجهة، هو حملة جوية وبحرية مركزة تضمن، كحد أدنى، إضعاف النظام حتى وإن لم تسقطه، والإضرار ببنيته العسكرية حتى تختل توازناته الداخلية والخارجية، مما يفتح الباب أمام أى تحرك انفصالى يتم دعمه من الخارج. كما قد يمهد ذلك الأوضاع الداخلية أمام أى انتفاضة شعبية كالتى جرت فى شهرى ديسمبر ويناير الماضيين، بما يفضى إلى الإجهاز على النظام من داخله.
• • •
إسرائيل بدورها رفعت مستوى الجاهزية الداخلية، وفعّلت منظومات الدفاع الصاروخى متعددة الطبقات، تحسبًا لرد إيرانى محتمل. ويريد نتنياهو هذه الحرب ليس فقط لتدمير إيران، بل لتغيير وجه المنطقة بالكامل. وفى خضم الفوضى، ومع انشغال الجميع بالرد الإيرانى، يمكنه استكمال ضم الضفة الغربية فعليًا، وتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا، مع تمسكه بمشروع إسرائيل الكبرى الذى يراه حلم الأجيال. أما فى الخليج، فتتزايد المخاوف من أن أى اشتباك واسع قد يمتد إلى منشآت الطاقة والموانئ الحيوية، ما يعنى أن المنطقة بأكملها قد تتحول إلى مسرح عمليات مفتوح. ولكن ماذا يتوقع الخليج من نتائج؟
قد لا يكون السؤال الأهم هو فقط من سيبدأ الحرب، بل أيضًا من يستطيع إنهاءها وبأى شروط مقبولة. وفى ظل هذا الحشد، تبدو الإجابة مفتوحة على احتمالات ثقيلة لا تخص إيران وحدها، بل تمس استقرار الإقليم حتى خاصرة الصين وروسيا فى وسط آسيا. الساعات والأيام القادمة ستكون حاسمة. فإن استيقظ العالم ليجد وميض الصواريخ ينير سماء الخليج، فسيعلم أن إيران اختارت أن تموت واقفة. لكن ثمن هذه الوقفة سيدفعه الجميع، ولن يسلم منه أحد.
نلاحظ فى هذه المعركة أن ما من دولة تتقدم للدفاع عن إيران، ولا حتى روسيا التى استفادت منها فى حرب أوكرانيا، ولا الصين التى تعتمد بنسبة لا بأس بها على النفط الإيراني. ولذلك، أغلب الظن أن شروط وقف الحرب ستعتمد على صمود إيران؛ فإذا استمر النظام ستنقلب الموازين على حساب المصالح الأمريكية الإسرائيلية، وإذا حدث العكس فلنستعد لما هو قادم.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية


النصوص الأصلية:
https://tinyurl.com/2pawy4st
https://tinyurl.com/bdh4rx8h

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة