أفضل ما حققه الفيلم التسجيلى المصرى «أبوزعبل 89» للمخرج بسّام مرتضى، الذى اختير مؤخرًا أفضل فيلم فى عام 2025 فى استفتاء جمعية نقاد السينما المصريين، أنه انطلق من مأساة شخصية وعائلية إلى مواجهة شجاعة للماضى، وللتاريخ الشخصى والوطنى. كما أنه نجح إلى حد كبير فى تطوير فكرته، وفى إيجاد معادل فنى للتعامل مع حكايات مؤلمة وقاسية، لنصبح أمام تجربة تستحق التأمل، مؤثرة وحميمة، وفيها مزيج ممتاز بين الخاص والعام.
ينهض هذا الفيلم الطويل على واقعة حقيقية، هى اعتقال والد بسّام، الناشط السياسى محمود مرتضى، وإيداعه سجن أبوزعبل الشهير فى العام 1989، حيث اتُهم مع آخرين بتكوين تنظيم يقوم بتحريض عمال مصنع فى حلوان على الإضراب والاعتصام. وكان الطفل بسّام وقتها فى الخامسة من عمره، ولا يتذكر من تلك المرحلة سوى اصطحاب أمه له لزيارة الأب فى السجن.
واقعة كهذه لا تعد بالكثير، خصوصًا أن لها أمثلة كثيرة متكررة، لكن بسّام لا يكتفى باستجواب والده فحسب، ولا يتحاور فقط مع أمه فردوس، وهى أيضًا ناشطة سياسية، لكنه يسأل شخصيات أخرى اعتُقلت مع والده، منهم الفنان سيد رجب، الذى يستعيد من خلال عرض خاص للحكى تفصيلات عجيبة من وقائع هذه «الحبسة».
على مستوى آخر، فإن سرد الحكاية بأكملها يتم من خلال صوت بسّام نفسه، الذى يعيد تجسيد وتمثيل رحلة الاعتقال، وكأن الابن يستحضر نفسه بديلًا عن الأب، محاولًا تجربة الحكاية عبر الخيال، وكأن السجن الفعلى للأب قد تحوّل إلى سجن للابن فى ذكرياته.
لا يقدم الفيلم البطولة من وجه واحد، ولكن من زاوية المكاسب والخسائر. فالأب يعترف لابنه بلحظات ضعف وانكسار فى السجن، ويشعر بالذنب تجاه بعض زملائه فى تلك «الحبسة»، مثل الدكتور محمد سيد سعيد، لأن محمود مرتضى أعطى سعيد معلومات متفائلة عن سجن أبوزعبل، ما تسبب فى صدمة شديدة للدكتور سعيد عندما اكتشف الواقع.
الأم فردوس من ناحيتها تحكى بكل صراحة، ولا تزعم بطولات وهمية. ويقول بسّام فى افتتاحية الفيلم إن أمه نصحته ألا يفعل مثل والده. وتتحدث الأم، التى ظهرت فى حالة صحية غير جيدة قبل وفاتها، عن تغيّر زوجها، والد بسّام، بعد خروجه من السجن، وعن تفكك العلاقة الزوجية، بينما كانت تتوقع أن يحدث العكس بعد مساندتها لوالد بسّام فى حبسته.
تقول هذه السيدة القوية، إن الرجال سهل كسرهم مع أول مواجهة، وقد اختار زوجها بعد الخروج من السجن أن يسافر، بينما استقبلت الأسرة طفلًا جديدًا، واستمرت الخطابات بين الزوجين، لكن شروخًا عميقة وجدت طريقها بين الطرفين.
بين ذكريات رفاق السجن، واستعادة الأغانى والطرائف والآلام، وحديث والد بسّام ووالدته، دون أن يجمعهما لقاء واحد مشترك، مكتفين بصور فوتوغرافية قديمة تؤرخ لسنوات الزواج الأولى، وبين هذه الخطوط، يظهر بسّام محاورًا أو مجسدًا دور الأب فى محبسه، وكأن روح الماضى قد حلّت فيه. يحقق الفيلم ثراء سرديًا واضحًا وثراء فى زوايا الرؤية، وينفى عن البشر قدراتهم الخارقة، مقدمًا إياهم بكل لحظات انكسارهم.
تبدو تنقلات محمود مرتضى بين أكثر من شقة كترجمة على القلق وعدم الاستقرار، بينما يأخذه ابنه بسّام إلى شقة فردوس فى حلوان ليستعيدا الحكايات.
لكن هذه اللحظات الشخصية والعائلية تُروى على خلفية تاريخ الوطن فى عهدى الرئيس السادات والرئيس مبارك، بل وعلى خلفية تغيرات سياسية عالمية، أدت إلى سقوط الشيوعية، وتفكك الاتحاد السوفييتى، وسقوط حائط برلين، ثم احتلال الكويت وتحريرها، وكلها عواصف زادت من أسئلة بسّام وحيرة الأب. بينما تتخلل ذكريات بسّام استدعاءات لمشاهد من أفلام أحبها، وتوظيفها فى خدمة هذا السرد المركب، الذى يترجم تعقّد الحكاية وتداخل الخاص والعام على نحو لا يمكن فصله.
فى معنى هذا البناء، أن الابن لن ينجو من التأثير، وأن صدى الماضى سيلقى بظلاله على الحاضر. ورغم أن الأيديولوجية التى دافع عنها الأب، وهى «الشيوعية»، قد سقطت، فإن المعالجة تجاوزت هذا الفخ، حيث وضعت الحلم وليس الأيديولوجية فى مقابل السجن. والحلم فكرة إنسانية متجددة، لا يمكن ترويضها ولا التخلى عنها، وإلا انتهت الحياة نفسها.
هنا تطوير جيد للحكاية بتأمل الذات، ومواجهتها، ومواجهة الحكاية كلها، وبظهور الشخصيات على طبيعتها، وبنظرة فيها بعض التفاؤل، مع انتقال الفيلم فى مشاهده الأخيرة إلى أرض حصل عليها فى الفيوم، فى منطقة اسمها الفردوس، وكأن الزوجة ما زالت حاضرة بشكل ما، وكأن محمود مرتضى يواصل الحلم، لكن عبر مسارات أخرى جديدة.
فى معنى الرحلة أيضًا أهمية دور الصداقة والأصدقاء، بل ربما يمكن قراءة الفيلم باعتباره اختبار الشخصيات لصداقاتهم التى توثقت فى تجربة السجن، وتوثقت أكثر بعد الخروج. والفيلم حافل باللقاءات الحميمة بين الأصدقاء واحتفالاتهم المشتركة بعد تقدمهم فى السن.
بدا لى أيضًا أن الحكاية عن تغيرات الزمن بقدر ما هى عن تغيرات السياسة، وأنها كذلك تختبر معنى الاختيار عبر جيل بسّام من ناحية، وجيل محمود مرتضى وفردوس من ناحية أخرى. ولكن التجربة عمومًا تمتلك مساحة إنسانية واسعة، تتجاوز الأيديولوجيا بكثير، وتعيد طرح الأسئلة الصعبة دون أن تصادر على رأى. الشىء الوحيد الثابت هو التمسك بالحلم، وربط كل قرار بزمنه، والحوار المستمر والصريح والشجاع. وهذا هو عنوان اكتشاف بسّام لتفصيلات الماضى كلها، ثم وضعها على الفيلم دون خوف أو تردد.
صوت دقات الباب المرتبطة بالاعتقال، واستعادة الكوابيس وذكريات الألم النفسى والبدنى، كل ذلك لم يمنع استمرار الحياة، رغم الجراح التى لم تلتئم.
محمود مرتضى وفردوس منحا الحياة لكائن جديد، يحمل وعيًا وحلمًا، ويمكنه أن يبتكر معادلًا فنيًّا ذكيًّا لتسجيل الماضى ومساءلته، ويمتلك أيضًا حلمًا، هو بشكل ما امتداد لحلم الأب والأم.