ذو اللحية الزرقاء
السبت 21 فبراير 2026 - 5:20 م
مزيج من الضوء والظل يبرز شحوب وجهه وذقنه التى تركها دون حلاقة منذ عدة أيام، على خلاف عادته. عيناه غائرتان. يوجه كلامه إلى اللوحات المعلقة على جدران بيته الفسيح الذى يعيش فيه وحيدًا، مرددًا بيتًا شهيرًا للشاعر زهير بن أبى سلمى: «سئمت تكاليف الحياة ومن يعش... ثمانين حولًا لا أبًا لك يسأم». لم يعد يثير اهتمامه أى شىء. ولا يرغب فى رؤية أحد، كما لا يحاول زيارته الأشخاص الذين أحاطوه فى السابق باهتمامهم. ينظر باتجاه لوحة لإدوارد هوبر، الرسام الأمريكى الذى تناول كثيرًا مفهوم العزلة. والده المجرى الأصل كان قد اقتنى هذا العمل منذ سنوات طويلة تسبق ميلاده بقليل، إذ كان يعمل فى تسويق الفن التشكيلى بالإضافة إلى أنشطة متنوعة بعضها سياسى ونضالى. أحب الصحراء وتحمس لثورة 1919 وامتهن الهندسة وترك له هذا القصر ضمن أملاك أخرى بمصر، مقر إقامته الاختيارى.
يتنهد ويتثاءب بصوت مسموع، قبل أن يستسلم لإغفاءة ثم يعود منها ليحملق فى لوحة أخرى مثبتة أمامه. هى على العكس تمامًا من أعمال هوبر الكئيبة التى انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعى خلال فترة الجائحة والتى نفذها وحيدًا فى مرسمه بعد إصابته بالصمم، وكأنه يجسد الصمت الذى لم يعد يسمع غيره. اللوحة التى توقف ببصره عندها هذه المرة لم يرثها عن أبيه، بل اشتراها بنفسه خلال إحدى جولاته الآسيوية.. هى تضج بالألوان والحياة وتعبر عن مرحلة مختلفة من عمره، مرحلة يبتسم بحبور حين يتذكرها فترتاح قسمات وجهه العبوس الذى صار يسكنه الغضب فى معظم الأحيان. يتنقل من ذكرى لوحة إلى أخرى، ويتبادل الأحاديث المقتضبة مع كل واحدة منها حتى يتعب ويقرر أن يُشغِل الموسيقى بواسطة إحدى الملفات الصوتية التى حملها على هاتفه.
• • •
تنطلق نغمات «قلعة الدوق ذو اللحية الزرقاء»، الأوبرا الوحيدة التى لحنها المؤلف المجرى بيلا بارتوك مستندا إلى نص للشاعر والناقد بيلا بالاز. استوحى هذا الأخير أحداثها من قصة لشارل بيرو، صاحب الحكايات الخرافية، مع التركيز الدرامى على العزلة النفسية للبطل. لذا يجد فيها ما يعبر عن حالته، كما أن لها مكانة خاصة فى قلبه، إذ اكتشفها لأول مرة وهو بصحبة والده فى زيارة للمجر. ذهب معه إلى قلعة أثرية تشبه تلك التى تدور فيها أحداث الأوبرا، واستمع إلى هذا العمل الذى يعد من أهم إبداعات المسرح الموسيقى فى القرن العشرين. والده كان فى الواقع دوقًا هنجاريًا ينتمى إلى عائلة عريقة، أما هو فالوحدة هى التى تقربه إلى بطل الأوبرا... تزوج مثله عدة مرات، ورحلت جميع قريناته مثل «الدوق ذو اللحية الزرقاء»، مع الاختلاف فى بعض التفاصيل، فهو لم يتخلص منهن عامدًا متعمدًا بل اصطافهن البارئ بعد أن أصبن بالمرض اللعين ذاته. حاليًا لا أحد يشاركه قصره، أما شخصية الدوق فى أوبرا بارتوك فكانت تعيش مع عقيلة صغيرة فى السن، وحبه لها هو الذى سيؤدى إلى كشف أسراره والغوص فى أعماق نفسه.
فى الأوبرا تحاول جوديت، الزوجة الشابة، إدخال الضوء والحب إلى حياة الدوق عبر فتح أبواب قلعته السبعة، ومع كل باب ينكشف جانبًا مظلمًا من ماضيه. تأخذنا الموسيقى من خلال بناء درامى غير تقليدى إلى الحجرات المغلقة التى تختبىء وراء كل باب: غرفة التعذيب، قاعة الأسلحة، خزانة الكنز، الحديقة السرية للدوق، مملكته الخاصة، بحيرة الدموع، حتى نصل فى النهاية إلى «قدس الأقداس» أو الغرفة التى تتبدد فيها الغيوم حول مقتل زوجاته المتتاليات، وهنا يُضطر إلى التخلص من زوجته الحالية فيعود إلى الوحدة والغموض. يتوقف صاحبنا، ساكن القصر المنيف، بدوره عند آخر رفيقات دربه. كم كانت جميلة رشيقة ذات جسد ناضج بدا تكوينه بديعا. كانت ترمقه بود...
راح يمشى فى البيت ورأسه كالقنفذ مسترجعًا ما فات. أبواب حياته السبعة انفتحت أمامه، وفى كل مرة تعلو الموسيقى تسيطر عليه فكرة أو خاطرة يستحضر بها أخرى، وجميعها تنفرط كحبات العقد، تمامًا كالؤلؤ الذى يتناثر عند انقطاع خيط طوق ثمين. الخيالات تنتفض فى ذهنه وعلى الجدران.. ترتسم الصور على الحائط إلى جانب اللوحات وأحيانًا ترتفع عنها لتصل إلى السقف. تتبع حركات موسيقى بارتوك الذى اعتبرها زملاؤه والقائمون على الفنون وقتها غير قابلة للعزف بسبب صعوبتها وغرابة تركيباتها الأوركسترالية.. بها رمزية دفينة تجعلها لا تشبه غيرها، هذا ما شرحه إياه والده منذ أن أعلن حبه لهذا العمل الأوبرالى وهو لا يزال صبيًا. أنجزه المؤلف فى ستة أشهر بين فبراير وسبتمبر عام 1911، لكن لم يتم عرضه فى بودابست سوى بعدها بسبع سنوات.
• • •
لم يقم بزيارة هذه المدينة الساحرة منذ أن عرف بمرضه وقرر اعتزال العالم إذا ما استطاع لذلك سبيلًا. ولم يعد ينظر لنفسه فى المرآة ليمشط شعره بحركات متمهلة فخورة كما كان يفعل، فهو يشعر بالأفول وقد اكتفى بونس لوحاته وخيباته، تاركًا مساحة شاسعة للهلاوس والشياطين. قرأ عن هذه الحالة التى تنتاب كبار السن حين يغرقون فى بحور اليأس والتشاؤم ويهملون مظهرهم، ولم يتخيل قط أن ينضم يوما لهؤلاء. لكنه ما حدث دون وعى منه أو إدراك. انزلق قدمه وهو الآن فى قاع البئر لا يقوى على الخروج ولا يريد ذلك. يجلس على كرسيه، لا يغادره إلا قليلًا، ويرغب فى أن تباغته النهاية دون مجهود منه أو عناء. موسيقى بارتوك ذات التأثيرات المجرية الواضحة تربطه بجذوره التى ظن أنها صارت من الماضى، لكنها ظلت تلاحقه وتحاصره مثل تلك الموسيقى التى تنبعث من الهاتف.. تنقله من الكآبة والغموض إلى المرح أحيانا ثم تحيله إلى الصمت والهدوء. يعيدها من الأول لكى ينصت لسرد الراوى وتعليقه على أحداث الأوبرا ذات الفصل الواحد، ثم يتابع من جديد عملية فتح الأبواب السبعة وينشغل بأموره الخاصة.. يتحد مع صوت الباس-باريتون الذى يلعب شخصية الدوق ذو اللحية الزرقاء، ويكرر بنبرة خفيضة: «الفرحة قصيرة.. نحب ونلتاع.. يسخر منا القدر، ثم يضرب ضربته». تكرار هذه العبارة يهديه قدرًا من الراحة، فهو يرفض الاعتراف بأخطائه ويفضل تعليق ذنوبه على «شماعة غدر القدر».
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا