x قد يعجبك أيضا

إنقاذ ما تبقّى من الساحل الشمالى (وباقى السواحل)

السبت 21 فبراير 2026 - 5:20 م

هناك تراكم كبير من الأدلة والدراسات العلمية، خاصة منذ العام ٢٠١٩، يدعم الحاجة إلى الحفاظ على ثلاثين فى المائة من مساحة كوكبنا، سواء على اليابسة أو فى البحار، بحلول عام ٢٠٣٠. فمثلاً فى عام ٢٠٢١ أصدر مجموعة من العلماء من حول العالم تحذيرًا قويًا: «الإنسانية تتسبب فى خسارة سريعة للتنوع الحيوى، و(بالتوازى مع ذلك) قدرة الأرض على دعم الحياة المركبة». قبل ذلك بعامين أصدرت اللجنة الدولية العابرة للحكومات للتنوع الحيوى والخدمات البيئية تقريرًا يؤكد على أهمية اتفاقية التنوع الحيوى لتخفيض الخسارة العالمية للتنوع الحيوى. وتركز تلك الاتفاقية على أهمية الحفاظ على ثلاثين فى المائة على الأقل من مساحة الكوكب بحلول العام ٢٠٣٠.


فى العقد الثانى من هذا القرن كان هناك هدف بالحفاظ على سبعة عشر فى المائة من مساحة اليابسة وعشرة فى المائة من مساحة المحيطات. لاحظ أن مساحة المحميات فى مصر تقترب من هذا الهدف فى اليابسة، ولكن ليس فى المحيطات. ووجدت الدراسات المتعددة أن هذا ليس كافيًا.


قامت دراسات بتحليل تأثير الحفاظ على المناطق ذات التنوع الحيوى فى اليابسة، ووجد مؤلفو الدراسة أن الحفاظ على ثلاثين فى المائة من مناطق التنوع الحيوى سيمكن من الحفاظ على ٦٢.٤٪ من مخزون الكربون و٦٧.٨٪ من المياه النظيفة الموفَّرة، بالإضافة إلى تحسن حالة ٦٩.٧٪ من الكائنات. كما بينت الدراسة أن حماية خمسين فى المائة من الأماكن الأهم للتنوع الحيوى سيمكن من الحفاظ على ٨٦.٨٪ من مخزون الكربون و٩٠.٧٪ من المياه النظيفة الموفَّرة، وسيحسن من حالة الحفظ لدى ٨٣.٨٪ من الكائنات.


قام بحث آخر فى نوفمبر ٢٠١٩ بتقدير أننا بحاجة للحفاظ على الأقل على ٤٣.٦٪ من الأراضى التى تحتوى على تنوع طبيعى مهم، مع تطبيق العناية الفعالة لها. وهناك دراسات أخرى كتلك التى صدرت فى سبتمبر ٢٠٢٠ والتى عنونت «شبكة أمان عالمى» لعكس خسارة التنوع الطبيعى واستقرار مناخ الأرض. وطالبت تلك الدراسة باستهداف ما لا يقل عن خمسين فى المائة من مساحة الكوكب لتحقيق ذلك. وخلاصة الدراسات العديدة أننا بحاجة لإدارة ما بين خمسة وعشرين فى المائة وخمسة وسبعين فى المائة من مساحة أى إقليم للحفاظ البيئى، حتى يمكن حماية التنوع البيئى.


وبينما يتخيل البعض أن هؤلاء العلماء لا يهتمون بالاقتصاد ويركزون فقط على حماية الكائنات بصورة حالمة وتكاد تكون خيالية، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة، فقد بينت العديد من الدراسات العلاقة الوثيقة بين صحة البيئة الطبيعية الناتجة عن ازدهار التنوع الحيوى واستمرار واستدامة الاقتصاد. ما أظهرته دراسات عديدة، ومنها دراسة نُشرت فى مجلة نيتشر فى العام ٢٠٢٥، أنه بدون بيئة طبيعية ليس هناك اقتصاد، وعلى ذلك تكون البداية الحقيقية للتعامل مع الاقتصاد بجدية وضمان استدامته على المدى المتوسط والطويل فى الاعتناء بمحيطنا الحيوى على اليابسة وفى المحيطات (والتى تضم أيضًا البحار).


• • •
بناءً على العديد من الدراسات والتقارير العلمية قررت اللجنة الدولية العابرة للحكومات الخاصة بالتنوع الحيوى والخدمات البيئية فى اجتماعها بمونتريال فى ديسمبر ٢٠٢٢ إصدار ما يسمى بإطار مونتريال كمبنج، والذى يضم ثلاثة وعشرين بندًا، ثانيها ينص على: «ضمان خضوع ما لا يقل عن 30 فى المائة من المناطق المتدهورة للنظم الإيكولوجية الأرضية والمياه الداخلية والساحلية والبحرية للاستعادة الفعالة، من أجل تعزيز وظائف وخدمات التنوع البيولوجى والنظم الإيكولوجية، والسلامة الإيكولوجية والترابط الإيكولوجى، بحلول عام 2030».


كما ينص البند الثالث على: «ضمان وتمكين حفظ وإدارة ما لا يقل عن 30 فى المائة من المناطق البرية ومناطق المياه الداخلية والمناطق الساحلية والبحرية، ولاسيما المناطق ذات الأهمية الخاصة للتنوع البيولوجى ووظائف وخدمات النظام الإيكولوجى، بشكل فعال من خلال وضع نظم ممثلة إيكولوجيًا ومترابطة جيدًا ومُدارة بشكل منصف للمناطق المحمية وتدابير الحفظ الفعالة الأخرى القائمة على المناطق، والاعتراف بالأقاليم الأصيلة والتقليدية، حسب الاقتضاء، ودمجها فى المناظر الطبيعية الأوسع نطاقًا والمناظر البحرية والمحيطات، مع ضمان أن أى استخدام، عند الاقتضاء فى مثل هذه المناطق، يتوافق تمامًا مع نتائج الحفظ التى تقر وتحترم حقوق الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، بما فيها حقوقها على أراضيها التقليدية، بحلول عام 2030».


فى العام الماضى صدرت الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجى، والتى أعتقد أنها أفضل بمراحل من تلك الخاصة بالتغير المناخى من عدة نواحٍ، خاصة فيما يخص اتساقها الواضح مع الاتفاقية الإطارية الدولية، وأيضًا فى وضع خطة أولية لتطبيق الاستراتيجية، حتى وإن غاب تصور واضح عن التمويل اللازم لتطبيق تلك الاستراتيجية.


البند الثانى من الاستراتيجية نص على ما يلى: «بحلول عام 2030، تأهيل واستعادة 20% من المناطق الإيكولوجية المتدهورة وقيمها الطبيعية وضمان اتصالها وقدرتها على تقديم الخدمات البيئية، مع أولوية التركيز على الأراضى الرطبة». أما البند الثالث من الاستراتيجية فينص على: «بحلول عام 2030، زيادة نسبة مساحة المحميات الطبيعية وتدابير الحفظ الفعالة الأخرى القائمة على المناطق إلى 20%، وإنشاء شبكة مترابطة ومتكاملة وممثلة للنظم الإيكولوجية وتنفيذ خطط الإدارة المناسبة والفعالة». لا أعرف بالطبع الأساس العلمى الذى تم بناء عليه تخفيف الالتزام من ٣٠٪ إلى ٢٠٪، ولكننى أجد مطالبة واضحة ومهمة بـ«إعداد استراتيجيات محلية تسهم فى تحسين مؤشر التنافسية بكل محافظة تراعى خصوصيات المناطق البيئية فى مصر، مثل الدلتا، وادى النيل، وسواحل البحرين الأحمر والمتوسط»، وأعتقد أن ما يتم حاليًا من خطة للإدارة المتكاملة للساحل الشمالى يستجيب بصورة ما لتلك الدعوة.


• • •
فى الشريط الساحلى الشمالى لمصر، والذى تقترب مساحته من حوالى خمسة فى المائة من مساحة مصر، تقع خمس محميات من إجمالى ثلاثين محمية فى مصر. من الشرق محمية الزرانيق فى بحيرة البردويل، ثم محمية أشتوم الجميل بالقرب من مدينة بورسعيد فى بحيرة المنزلة، ثم محمية بحيرة البرلس التى تتوسط شمال الدلتا، ثم محمية العميد فى الجنوب الغربى من بحيرة مريوط، ثم أخيرًا محمية سيدى برانى البحرية القريبة من حدودنا الغربية.


مصر من الموقعين على الاتفاقية الإطارية الدولية الصادرة فى مونتريال ٢٠٢٢، وأعتقد أنه فيما يخص الساحل الشمالى بصورة خاصة، والذى يصنفه الاتحاد الدولى لصون الطبيعة بأنه منطقة التنوع الحيوى الرئيسية فى مصر، فيجب الالتزام بالنسب المحددة فى تلك الاتفاقية على الأقل فى تلك المنطقة. ولكن يصبح السؤال: كيف نقوم بذلك؟ إحدى الخطوات الرئيسية التى تمكن من وضع خطة فعالة للتعامل مع الساحل الشمالى هو تحديد خط أساسى أو مرجع واضح يمكن من حساب وتحديد الأماكن والمساحات الواجب الحفاظ عليها.

مثلاً: أين وكيف يمكن زيادة مساحة المحميات الحالية أو استحداث محميات جديدة؟ وأين وكيف يمكن استعادة الأراضى المتدهورة بيئيًا؟ وفى هذا الإطار تكون لخريطة الأساس التى توضح حالة الساحل وهو فى حالة قريبة من حالته البيئية الصحية أهمية كبرى.
هل لدينا الخرائط اللازمة لعمل الخريطة المرجعية التى تمكننا من حساب المساحة التى يجب الحفاظ عليها؟ أعتقد أن الإجابة نعم، على الأقل من خلال الخرائط التى لدى عن منطقة رشيد. كما أن الخرائط التى قام بعملها الجيش الأمريكى (ربما من الحسنات النادرة له، وإن كان بالطبع قام بعملها لأهداف أخرى) فى أوائل الخمسينيات من القرن العشرين لسواحل مصر، وإن كانت بمقياس كبير، ولكننى أعتقد أنها مناسبة. كما أن هيئة الاستشعار عن بُعد لديها القدرة على عمل مثل تلك الخريطة لسواحل مصر، ولنبدأ بالساحل الشمالى باستخدام صور الأقمار الصناعية، خاصة تلك التى تعود إلى الستينيات والسبعينيات.


أستاذ العمارة بجامعة القاهرة

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة