حكمة الجماهير وكيف تستفيد منها الدول؟
الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:00 م
ما هى حكمة الجماهير؟
هل تصلح لحل جميع أنواع المشكلات؟
كيف نستفيد منها؟
هناك قصة غريبة حكاها العالم الإنجليزى متعدد المواهب فرانسيس جالتون. هذه القصة حدثت فى إحدى قرى إنجلترا سنة 1906، حيث أُقيمت مسابقة لتخمين وزن ثور؛ كل شخص يقول كم يبلغ وزن هذا الثور، وفى النهاية يتم وزن الثور وتحديد الفائز. تم سؤال حوالى 800 شخص من مختلف المهن والمستويات الاجتماعية. الغريب ليس من هو الفائز، لكن الغريب أن المتوسط الحسابى لكل التخمينات كان هو الأكثر دقة، ولم يختلف عن الوزن الحقيقى إلا قليلاً. كان فرانسيس جالتون يثق فقط فى رأى الصفوة من المثقفين والعلماء، لكن تلك التجربة أثبتت أن مجموعة من الأشخاص العاديين قد تكون أكثر دقة.
نشرت مجلة (Nature) سنة 2006 مقالا أثار جدلا كبيرًا وقتها. هذا المقال قارن بين موسوعة ويكيبيديا على الإنترنت، والتى تقوم على مساهمات الأشخاص العاديين، والموسوعة البريطانية (Encyclopedia Britannica). فى هذا المقال قام 42 من الخبراء بمقارنة الموسوعتين من حيث الأخطاء وعدم الدقة، وكانت المفاجأة أن الموسوعتين كانتا متقاربتين جدا فى ذلك.
هذان المثالان يقولان إن الجماهير غير المتخصصة قد تكون فى نفس الكفاءة، إن لم تكن أفضل من المتخصصين.
هذه الفكرة التى سُميت فيما بعد بـ«حكمة الجماهير» كانت نواة مشروع بدأه سنة 2011 فريق بحثى من علماء النفس فيليب تيتلوك وباربارا ميلرز من جامعة بنسيلفانيا. سُمّى المشروع «مشروع حسن التقدير» (Good Judgment Project)، وكان يهدف إلى دراسة كفاءة مجموعة من الأشخاص العاديين بالمقارنة بالمتخصصين. وكانت النتيجة أن حكمة الجماهير أكثر دقة من المتخصصين بشروط معينة، وهذا ما سنتحدث عنه فى مقالنا اليوم.
لكن لماذا تُظهر حكمة الجماهير هذه الكفاءة؟ كيف لغير المتخصص أن يعطى نتائج أفضل من المتخصص؟ هل هى صدفة؟ لا أعتقد، لأن عدد الأمثلة التى تؤيد هذه الفكرة كبير. إذًا ما السبب؟

• • •
لماذا حكمة الجماهير؟
كل شخص منا يرى جزءًا من الحقيقة ويتفهمه، ويبنى عليه استنتاجاته تبعا لخبرته الشخصية وثقافته. البعض قد يخطئ فى تقديره لحدث معين سواء بالتهويل، أو التخفيف، أو بالزيادة، أو النقصان. والهدف أنه مع تجميع هذه الآراء فإن الرأى النهائى يكون هو الصواب، وأكثر دقة من رأى أى شخص فى المجموعة؛ فالزيادة فى رأى شخص تعادلها النقص فى رأى الآخر.
المتخصص يكون محمّلا بالكثير من القناعات والأفكار التى قد تعيقه عن التفكير الحر. هذا طبعا لا يعنى أن نهمل المتخصصين أو نعتمد فقط على العامة، لكن معناه أن ندرس كيف نستفيد من العامة فى إيجاد حل «لبعض» المشكلات كعامل مساعد لرأى المتخصصين. لكن يجب أن نعرف متى نثق فى حكمة الجماهير، ومتى لا نثق.

• • •
كيف نستفيد منها؟
حكمة الجماهير تكون مفيدة فى بعض أنواع المشكلات وليست كلها: مثلاً التنبؤ بنتيجة انتخابات، أو بنتيجة حدث سياسى أو عسكرى، مثل: هل ستهاجم دولة ما دولة أخرى؟ وأيضاً التنبؤ بحجم أو طول بعض الأشياء مثل الطرق والجزر، أو سعر أسهم شركة معينة، إلخ.
عند سؤال الجماهير، وحتى تكون النتيجة أقرب إلى الصواب، يجب أن تتوافر خصائص معينة فى المجموعة التى سيتم سؤالها:
• يجب أن تتكون من أشخاص لا علاقة بينهم، أى لا يكون أحدهم رئيسا أو يحمل سلطة على الآخرين.
• يجب أن تكون المجموعة متفاوتة فى الأعمار، من سن صغيرة وحتى سن كبيرة جدا.
• يجب أن تكون المجموعة من أماكن متباينة، من مدن وقرى، من الشمال والجنوب، إلخ.
• يجب أن يكون هناك تباين فى الجنسين، من ذكور وإناث.
• لا نجعل المجموعة تجلس معا، بل يجب سؤال كل شخص على حدة، سواء عن طريق استبيان ورقى أو إلكترونى، أو عن طريق مقابلات شخصية.
كلما كان الجمهور متباينا كانت النتائج أفضل. ويمكن إضافة بعض التباين فى الاعتقادات أيضا، ولا نقصد هنا الدينية، ولكن الاقتصادية مثل الرأسمالية والاشتراكية، إلخ، إذا كانت المشكلة المراد حلها ذات طابع اقتصادى مثلا.

• • •
أخطار حكمة الجماهير
يجب أن نكون حذرين من استخدام حكمة الجماهير، فهى كما قلنا ليست لحل كل المشكلات. فمثلا المشكلات التى تتطلب معرفة عميقة ومتخصصة مثل الفيزياء والرياضيات لا تصلح، إلا لو تم عرضها بطريقة مبسطة. أيضا المشكلات التى لها حل مشهور لا تصلح، لأن المجموعة غالبا ستؤيد الحل الأصلى ما لم تكن المساوئ واضحة.
طبعاً يجب أن نختار المجموعة تبعاً للشروط التى ذكرناها. وإذا كان الاستبيان إلكترونيا، يجب أن نحرص ألا تؤثر عليه الكتائب الإلكترونية؛ لذلك يجب إرسال الروابط إلى الأشخاص المعنيين فقط ولمدة محددة.
النقطة المهمة أيضا هى كيفية دمج إجابات الجماهير للوصول إلى الإجابة المجمعة.
• • •
للشعوب حكمة تكونت عبر القرون، وصقلتها التجارب والمصاعب، وهى ثروة إذا أحسنت الدول استخدامها.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا