إيران تحت التهديد
الإثنين 19 يناير 2026 - 6:30 م
فى تعارض فج مع شعارات ولايته الرئاسية الأولى واستراتيجيته الجديدة للأمن القومى، وخلافًا لمستهدفات عملية «مطرقة منتصف الليل» فى يونيو الماضى، التى تجنبت إسقاط نظام إيران ورفضت خطة إسرائيلية لاغتيال مرشدها، عكست التهديدات الأمريكية-الإسرائيلية لطهران خلال الآونة الأخيرة تغيرًا لافتًا فى موقف ترامب حيال مسألة تغيير نظام الولى الفقيه من خلال القوة. حيث تؤكد مصادر إسرائيلية تفاهم ترامب ونتنياهو بشأن ضرورة التحول من سياسة العمل على تعديل سلوك ذلك النظام أو إصلاح سياساته، إلى إسقاطه عبر الضغط العسكرى. فلقد ذهبت المقاربة الأمريكية ــ الإسرائيلية إلى استحالة نجاح الاحتجاجات الجماهيرية وحدها فى إدراك تلك الغاية، خصوصًا مع تماسك النظام وآلاته القمعية، جراء عدم حدوث انشقاقات داخل المنظومة الأمنية أو تصدعات فى نخبة الحكم.
شكل الانفتاح الإيرانى الاستراتيجى المفرط إزاء روسيا والصين محفزًا مهمًا لتوجهات إدارة ترامب التصعيدية إزاء إيران، حيث يحرص ترامب على كبح جماح الصعود الاستراتيجى المدوى لكليهما. ففى مطلع العام الماضى، وقعت طهران مع موسكو اتفاقية للشراكة الاستراتيجية الشاملة لمدة عشرين عامًا. ولم يتورع نظام الولى الفقيه عن دعم روسيا فى حرب أوكرانيا، عبر تزويدها بمسيرات من طراز «شاهد» وصواريخ قصيرة المدى. أما بكين، التى وقعت معها طهران اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة ربع قرن فى مارس الماضى، وتعد أكبر مشترٍ للنفط عالميًا، فتصر على شراء النفط زهيد الثمن لتعزيز نموها الاقتصادى المتسارع. وبتصدرها قائمة مشترِى نفط الدول الثلاث التى تواجه عقوبات غربية (روسيا وإيران وفنزويلا)، تتوخى بكين توفير مليارات الدولارات من تكلفة وارداتها وصناعتها. ولما كانت أكبر شريك تجارى لإيران، فقد اشترت العام الفائت أكثر من 80% من نفطها الخفيف بسعر ثمانية دولارات للبرميل.
تنوعت المحاذير التى ترفع كلفة أى عمل عسكرى ضد إيران، من أبرزها حسابات أمن الطاقة، فكونها أحد أبرز منتجى نفط أوبك، تتصاعد المخاوف من تعرّض نحو 3% من المعروض العالمى للخطر. فبإنتاجها ثلاثة ملايين و300 ألف برميل يوميًا، تعد إيران رابع أكبر منتج للنفط فى منظمة أوبك، فيما تمتلك رابع أكبر احتياطى عالمى مؤكد من النفط، وثانى أكبر احتياطى من الغاز الطبيعى. وتبقى المخاوف من تهديد حركة النفط عبر مضيق هرمز، الذى يمر من خلاله قرابة 20% من شحنات النفط والغاز العالمية. إذ قد يؤدى التصعيد إلى تعطيل الإمدادات أو زيادة أسعار النفط بحد أقصى قدره سبعة دولارات للبرميل، ليلامس 70 دولارًا، الأمر الذى قد يربك السوق وينعش «علاوة المخاطر» الجيوسياسية على العقود الآجلة، خصوصًا مع توتر الأوضاع الجيوسياسية فى البحر الأسود، فيما سيستغرق تعافٍ إنتاج النفط الفنزويلى سنوات عدة.
غياب البديل: يمثل غياب بديل مناسب لنظام الولى الفقيه تحديًا مهمًا لمخططات إسقاطه. فبينما لا تملك معارضة الداخل قيادة موحدة، تعانى معارضة الخارج تشرذمًا وتنافُرًا، كما تحاصرها اتهامات بالعمالة لأطراف أجنبية. فبينما تواطأت مجاهدى خلق مع صدام حسين، تلاحق نجل الشاه اتهامات بممالأة إسرائيل وأمريكا، ما أفقده كاريزما القيادة، حتى أن ترامب رفض مقابلته وعبر عن شكوكه بشأن قدرته على حشد التأييد الشعبي. وبينما ترتمى مريم رجوى فى أحضان أوروبا، ترفض عودة نظام الشاه، فيما رفع متظاهرون شعار «لا للشاه ولا للملالى».
الارتدادات الجيوسياسية: تعد إيران ثانى أكبر بلدان المنطقة مساحة، وتتمتع بموقع جيوسياسى يجعلها نقطة التقاء لثلاثة مجالات آسيوية، وترتبط بحدود مع سبع دول مهمة. وبتعداد سكانى قوامه 93 مليون نسمة، تبقى إيران ثانى أكبر دول الشرق الأوسط سكانًا، كما تضم فسيفساء إثنية حساسة تشمل الأكراد فى الشمال الغربى، والبلوش جنوب شرقى، والعرب الأحوازيين فى خوزستان، والأذريين شمالًا. ولكل منهم هويته الخاصة ومطالبه التاريخية المؤجلة، ما يجعل أى مغامرة لتغيير النظام بالقوة تهديدًا بانهيار الدولة وانفلات عقالها. فحالة تفكيك النظام المركزى قد ترى هذه المكونات فرصة لطرح مطالب الحكم الذاتى أو الانفصال، خصوصًا إذا غابت سلطة انتقالية جامعة قادرة على استيعاب وطمأنة الجميع. وقد يفتح سقوط النظام الباب أمام إعادة اصطفاف تاريخية فى الشرق الأوسط، تتجاوز آثارها حدود إيران. وعلى مستوى التوازنات الدولية، سيؤدى انهيار النظام الإيرانى إلى إرباك حسابات القوى الكبرى. ففى مسعى منها لاستبقاء إيران ورقة جيوسياسية فى مواجهة الغرب، لم تتورع عن عرض الوساطة بين إسرائيل وإيران. ولما كانت إيران ركيزة أساسية فى مبادرة «الحزام والطريق» وجهود بكين لتأمين إمدادات الطاقة وبؤر النفوذ، أعربت بكين عن رفضها إسقاط النظام الإيرانى بالقوة.
تحفظ دولى: تتخوف دول الجوار الإيرانى من الارتدادات الإقليمية لأى انهيار محتمل لدولة ذات ثقل ديموغرافى وجيوسياسى بوزن إيران. فتركيا، التى تنظر بالغ حساسية إلى المسألة الكردية، تخشى أن يفضى أى حراك كردى داخل إيران إلى تغذية مطالب عابرة للحدود، تفاقم التوتر جنوب شرق تركيا ومناطقها الحدودية. كما تخشى حدوث خلل فى ميزان القوى الإقليمى، لا سيما وأن سقوط نظام طهران قد يدفع إسرائيل نحو «تغول» إقليمى غير مسبوق. ومن ثم دعا وزير الخارجية التركى، هاكان فيدان، إلى ضرورة تسوية الخلافات بين طهران وواشنطن عبر المفاوضات، لافتًا إلى طرح بلاده مبادرات دبلوماسية لتجنب زعزعة الاستقرار. فى الأثناء، انبرت دول عربية لإقناع ترامب بالعدول عن مهاجمة إيران. حيث تتجه الأنظار إلى خوزستان، الإقليم الغنى بالموارد وتقطنه أغلبية عربية أحوازية؛ إذ قد تمثل أى تحركات نحو الحكم الذاتى أو الانفصال تحديًا أمنيًا وسياسيًا لدول مجلس التعاون، وفرصة فى الوقت نفسه لإعادة بناء موازين النفوذ. ويتملك بلدان الخليج قلق هائل إزاء الوضع فى إيران وتداعياته المحتملة على استقرار المنطقة وأسواق النفط، ما من شأنه أن يفتح بؤرة جديدة للصراع والتوتر فى الإقليم الملتهب. وأما باكستان، فتعنى مباشرة بتداعيات الوضع فى المناطق البلوشية، إذ إن أى اضطراب فى إيران قد يمنح القومية البلوشية زخمًا جديدًا، ما يزيد من تعقيدات التمرد القائم أصلًا فى بلوشستان الباكستانية. وبينما قد تجد أذربيجان فى الارتباك الإيرانى فرصة لتوسيع نفوذها، مع وجود كتلة أذرية هائلة شمال إيران، قد يشعل أى تدخل غير محسوب أو إدارة فوضوية للمرحلة الانتقالية توترات عرقية إقليمية لا تحمد عقباها.
من رحم خطاب التهديد والوعيد، انبلجت إشارات تراجع الخيار العسكرى ضد إيران، حيث تبادلت إسرائيل مع إيران أواخر ديسمبر الماضى رسائل تطمين عبر وسيط روسى، أكدت فيها عدم نيتهما شن هجوم استباقى ضد بعضهما. وخلال اتصال هاتفى، طلب نتنياهو من ترامب التريث بشأن ضرب إيران لإتاحة المزيد من الوقت لإسرائيل كى يتسنى لها الاستعداد لأى رد إيرانى محتمل. ومن جانبه، أثنى ترامب على إحجام النظام الإيرانى عن قتل المتظاهرين والعدول عن إعدام المتهمين بمحاولة الإطاحة به. وبعدما تعهد بمراقبة الوضع عن كثب، أعلن مواصلة سياسة الضغوط القصوى غير العسكرية عبر فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على شركاء إيران التجاريين. تزامن ذلك مع تحذيرات من ألا تفضى ضربة عسكرية إلى إسقاط نظام طهران بقدر ما تتسبب فى إشعال صراع إقليمى يصعب احتواؤه. وفى مقال تحليلى نشره مؤخرًا بمجلة «فورين أفيرز»، أشاد ريتشارد هاس بتجنب واشنطن، إبان الحرب الباردة، اعتماد سياسة تغيير النظام فى موسكو، وتفضيلها «استراتيجية الاحتواء» بغية إصلاح سياساتها وتعديل سلوكها. ومن ثم، حذر من أن أى تدخل عسكرى لإسقاط النظام الإيرانى قد يؤدى إلى نتائج عكسية، عبر تأجيج النزعة القومية وإضعاف قوى المعارضة. فإذا تسنى للضربات العسكرية إسقاط الأنظمة، ربما تعجز عن بلورة بدائل مناسبة.
رغم ما ذُكر آنفًا، تظل احتمالات إقدام ترامب منفردًا أو بمشاركة إسرائيلية على استهداف إيران عسكريًا غير مستبعدة. فعلاوة على خبرات سابقة معها فى يونيو الماضى أو فنزويلا مطلع العام الجارى، يظل ترامب قائدًا غير موثوق، ويصعب التنبؤ بسياساته. وفى حين يعتقد مراقبون فى تخليه عن فكرة تغيير النظام الإيرانى، مكتفياً بتركيعه وإرغامه على تقديم تنازلات ملموسة، يؤكد البيت الأبيض أن كل الخيارات لا تزال مطروحة، وأن ترامب وحده هو الذى يعلم ما سيقرره إزاء إيران. وهو موقف يراه معنيون أقرب إلى عملية إعادة تقويم مرحلية ضمن مقاربة للضغط الاستراتيجى، تمزج بين الترغيب والترهيب، مع إبقاء هامش من عدم اليقين أو الغموض المتعمد. وبينما يفتأ الجيش الأمريكى يرسل تعزيزاته العسكرية إلى المنطقة استعدادًا لتحرك وشيك، يرهن ويتكوف تجميد الخيار العسكرى ضد إيران بالتزامها أربعة خطوط حمر: منع تخصيب اليورانيوم، لجم برنامج الصواريخ الباليستية، تسليم مخزون اليورانيوم المخصب، ووقف دعم الأذرع والوكلاء.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا