عن ترامب وأخلاقه

الإثنين 19 يناير 2026 - 6:30 م

«أنا الاستثناء من كل قاعدة. أنا العائد المنتصر بعد هزيمة وخسارة».

 


هكذا ردد لنفسه منتشيًا وهو يجلس صباح نهار بارد ومشمس أمام حدائق منتجعه الخاص. ما زالت أصداء تصريحاته تتردد فى أركان الأرض منذ أن ألقى بها أمام الوفد الصحفى المرافق على الطائرة، أو طبعها على شاشة تليفونه، عبر منصة تواصله الاجتماعى. (ينص العقد بينه وبين إدارة منصته على حصرية تستمر ٦ ساعات قبل أن يعيد النشر على منصة أخرى).
• • •
لا شىء مهمّا قدر احتفاظه ببؤرة الضوء، ومعها الخوف مما قد يُقدم عليه من خطوات. علّمه والده درسًا جوهريًا: «علاقة واحدة فى هذا العالم: صياد وفريسة. إن لم تكن الصياد، فأنت حتمًا الفريسة».
• • •
هكذا خرج على كل ثابت سابق، يعلن أفكاره، ويطارد أهدافه، متحدثًا عن خيارات وضعها مساعدوه، وسيستخدم ما يراه مناسبًا منها لتحقيق هدفه، وليس أى شخص آخر.
• • •
استمر محدثًا نفسه وهو يقوم نحو عربة الجولف التى يحبها؛
«لا يهم ما سيقولون فى لندن، أو باريس، أو برلين، أو أى مكان آخر. عندما يأتون، سأهدئ من روعهم قليلًا، ثم أهددهم كثيرًا بشكل الحياة على الأرض دون وجودى بجانبهم. سيكون عليهم مواجهة القاتل البارد فى موسكو، والعملاق الساكن فى بكين.
لا بد أن تبقى قطعة السلاح اللامعة ظاهرة أمام الجميع. أن يرى العالم الأساطيل العظيمة فى خط الأفق على كل ساحل. مجرد التلويح بها قد يمهد طريقًا، لكن استخدامها يختصر كل الطرق ويصل إلى حيث أريد. المهم أن أقرر استخدام السلاح فى مواجهة أكون متأكدًا مسبقًا أنها محسومة لصالحى، أو أنها فى الحد الأدنى ستمنحنى صورة المنتصر.
إذا فشلت، فهى كل الإدارات التى سبقت، والدولة العميقة. هم من تآمروا علىَّ وعلى المواطن البسيط الذى يحبنى ويرى فىَّ الخلاص والنموذج الذى يطمح أن يكونه. وعمومًا، لن يتحمل أى خصم المغامرة والمخاطرة بالاختبار، ومن الممكن أن يوفر علىّ وعلى نفسه العناء لو لمحتُ طرفة عينيه خائفًا أو مترددًا. عندئذ يمكن أن نتكلم، ونعقد الصفقة».
• • •
كان الصحفيون قد اقتربوا، وبدأ حواره الشخصى يخفت كى يخرج علنًا برسائل تهديد ووعيد وقوة..
عاد الرجل إلى أصل ثقافة مجتمعه ودستوره المؤسس. نفس المشهد القديم، يقترب راعى البقر من البلدة التى تخشاه. يدخل إليها تحت نظر الجميع وارتيابهم. إذا تحدّى كبيرها وهزمه، صار هو الآمر الناهى، والآن فقط يحبونه ويخشونه.
• • •
فى الحقيقة، ليست هذه أخلاق السيد ترامب، فهو لا ينفرد بها. هى مبادئ عامة فى مجتمع شديد القسوة يمثله وينتمى له. مجتمع يكتب أدباؤه وفلاسفته ومثقفوه عن أمريكا التى يتوقون لها. يكتبون عن التوازن النفسى، وأخلاق القرية، والمبادئ التى يجب أن تسود المدينة الجميلة اللامعة التى تبث ضوءًا هاديًا على ضفاف المحيط والعالم. الواقع خارج صفحات الكتب مختلف وعنيف، من المدرسة الإعدادية حتى مكان العمل. مهما تصورت أنك تأخذ منه، فأنت تدفع أكثر. المجتمع لن يرحم أحدًا، والعبارة التى لا يرغب أحد فى سماعها أبدًا هى: «لديك ٢٠ دقيقة لمغادرة المبنى».
• • •
عبارة من الأقوال المأثورة عند إنهاء عمل أو تسريح موظف. لن يسأل المجتمع عن حسن السمعة إن كنت مفصولًا من عملك، أو أن تاريخك الائتمانى لا يسمح لك بتلبية احتياجات استهلاكية معينة.
• • •
كم مرة رأيت الشرطى الأمريكى يخرج عن سياق القانون ليحقق العدالة؟ يواجه النقد والرفض من كل رؤسائه طول الفيلم، ثم يرفعونه بطلًا بعد أن يثبت قدرته على تحقيق المراد. كم مرة رأيت السارق ينجو بفعلته ويتحول إلى وجيه من الوجهاء؟ كم مرة رأيت نموذجًا لإنسان هامشى قليل الحيلة يتمنى لو أنه أصبح مثل ترامب ومن شابهه؟
• • •
قالها الملاكم الشاب روكى فى فيلمه الأول: «سأفعل أى شىء من أجل النجاح، لا يمكن أن أكون فاشلًا آخر ضمن الفاشلين».
رددها رامبو بعد أن عاد بطلًا مهزومًا من فيتنام، فوجد نفسه مكسورًا ومنبوذًا.
قالها مايكل كورليونى وكررها وهو يصعد صعودًا متوازيًا فى عالم المال وعالم الجريمة المنظمة: «سأقدم عرضًا لا يمكن رفضه»، هو العرض الذى علمه له والده كورليونى العظيم، مؤسس العائلة. عرض ينطوى على الاختيار بين الإذعان والموت. دون كورليونى العظيم أيقن قرب النهاية أنه لا نهاية لما يعيشه ويمارسه. قال بعد أن سقط مريضًا: «كلما ارتقيت لأعلى، كلما وجدتهم أكثر فسادًا».
• • •
لا فارق كبير بين الواقع والخيال هناك، سواء كان المشهد فى أفضل الأعمال السينمائية على الإطلاق مثل رائعة «الأب الروحى»، أو أكثر الأعمال السينمائية فجاجة. لا بد من الانتصار بغض النظر عن كونك شيطانًا أو ملاكًا.
• • •
كانت هذه أفكارى وخواطرى وأنا أتنقل بين عملى، متابعًا على الشاشة ومتابعتى لما كتبه الصديق والزميل الأستاذ عماد حسين الأيام الماضية. هذه ليست أخلاق ترامب وحده يا صديقى عماد.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة