x قد يعجبك أيضا

مجلس الشيوخ يفتح أبوابه.. ما الذى تغير؟

الإثنين 19 يناير 2026 - 6:35 م

يبدو أن مجلس الشيوخ قرر أن يبدأ فصله التشريعى الجديد بإدارة أكثر انفتاحًا، بعد سنوات من الانغلاق شبه الكامل على ما يجرى داخل لجانه النوعية، فالمجلس الذى اعتاد أن يبقى «مطبخه» بعيدًا عن أعين الصحفيين، فتح أبوابه لمحررى البرلمان مع انطلاق أعمال الفصل التشريعى الثانى، فى خطوة تحمل دلالات سياسية وإعلامية لافتة.

 


خلال الفصل التشريعى الأول، كان الصحفيون يتابعون أعمال المجلس من خلال تغطية الجلسة العامة عبر دائرة تليفزيونية فى المركز الصحفى متصلة بالقاعة، أو من خلال بيانات رسمية مقتضبة تصدر عن اللجان النوعية، دون إتاحة حضور مناقشاتها أو الاقتراب من تفاصيلها، بينما كان الاستثناء الوحيد من هذا المشهد للجنة الثقافة والإعلام والآثار، برئاسة محمود مسلم، التى فتحت اجتماعاتها للصحفيين دون قيود، لتبقى نافذة نادرة على ما يدور داخل أروقة المجلس.

 


اليوم، انقلب المشهد فمع إدارة جديدة للمجلس، وأمين عام جديد، ورئيس ووكيلين جديدين، وفى ظل سياق سياسى أكثر ميلًا للانفتاح، أصبحت معظم اللجان النوعية مفتوحة أمام محررى البرلمان، باستثناء لجنة واحدة فقط، والمفارقة أنها لجنة الثقافة والإعلام، التى يرفض رئيسها، محمد عمران حضور الصحفيين لاجتماعاتها، رغم أنها اللجنة المعنية بقضايا حرية الرأى والتعبير وتداول المعلومات، وهى أركان أصيلة فى تطوير الإعلام الذى تهتم به الدولة وتنشئ له لجانًا لبحث سبل تطويره. لكن اللجنة قررت مناقشة تطوير الإعلام مع رئيس المجلس الأعلى للإعلام فى غيبة الإعلام.
لماذا الإغلاق؟
قبل بداية الفصل التشريعى الثانى، وخلال إجراء عدد من الحوارات مع أعضاء مجلس الشيوخ وممثلى الهيئات البرلمانية الرئيسية، كان التعليق الأبرز أن الرأى العام لا يعرف الكثير عن طبيعة عمل المجلس أو تفاصيل مناقشاته، وهو ما أرجعه الأعضاء إلى إغلاق اجتماعات اللجان النوعية التى يصل عددها فى المجلس إلى 14 لجنة نوعية. وتتيح اللائحة الداخلية لرئيس كل لجنة حق إغلاقها ومنع الصحفيين من الحضور، لكن جرى العرف البرلمانى أن يكون الإغلاق هو الاستثناء وليس قاعدة كما رأينا فى الخمس سنوات الماضية.
فى المقابل، يرى عدد من أعضاء المجلس أن هذا الإغلاق أتاح مساحة أوسع للنقاش الحر داخل اللجان، بعيدًا عن الحسابات الإعلامية، ومكن أعضاء المجلس من إجراء مواجهات مباشرة وصريحة مع ممثلى الحكومة فى القطاعات المختلفة خلال مناقشة العديد من القضايا، بل وفى بعض الأحيان مواجهات بين ممثلى الحكومة وبعضهم البعض.
وبين حق الجمهور فى المعرفة، ورغبة النواب فى نقاش هادئ ومباشر، ظل عمل اللجان النوعية حبيس الغرف المغلقة، ما عمق الفجوة بين المجلس والرأى العام.
لماذا الانفتاح؟
مع بدء الفصل التشريعى الثانى فى أكتوبر الماضى، وتعيين أمين عام جديد للمجلس، إلى جانب تشكيل هيئة مكتب جديدة تضم الرئيس والوكيلين، طرأ تغير ملحوظ على السياسات الداخلية لمجلس الشيوخ، انعكس بشكل مباشر على طريقة التعاطى مع الصحفيين، وفتح الأبواب أمامهم.
لم يأتِ هذا التحول بمعزل عن السياق السياسى العام، إذ تزامن مع انتخابات مجلس النواب، التى شهدت متغيرًا لافتًا عقب فيتو الرئيس وتعليقه على الانتخابات عقب الجولة الأولى، وتشديده على ضرورة احترام إرادة الناخبين، وهو التدخل الذى سمح بفتح مساحات أوسع لحرية التعبير فى الإعلام، يبدو أنها انعكست بدورها على إدارة مجلس الشيوخ وانفتاحه على الصحافة.
فى هذا السياق، يأتى فتح اللجان النوعية أمام الصحفيين جزءًا من محاولة إعادة صياغة العلاقة بين المجلس والرأى العام، وتجاوز صورة المؤسسة المنغلقة، وتزامن معه تأكيد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة، محمود مسلم، خلال اجتماع اللجنة العامة لمجلس الشيوخ على ضرورة فتح اللجان النوعية.
كسب الثقة
كان أول اجتماع حضرته بعد فتح اللجان النوعية، اجتماع لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعى، برئاسة النائب عبد الهادى القصبى، عضو مجلس الشيوخ عن حزب مستقبل وطن، التى استضافت وزير الخارجية بدر عبد العاطى. ذهبت إلى الاجتماع متوقعة أن يقتصر حضور الصحفيين على دقائق محدودة للترحيب والتقاط الصور، كما جرت العادة فى مناسبات سابقة، إلا أن رئيس اللجنة سمح لنا بحضور جلسة غير رسمية على هامش استقبال الوزير، ثم أتاح لنا متابعة الاجتماع الرسمى كاملًا.
خلال الاجتماع، فتح النواب مع عبد العاطى جميع الملفات المرتبطة بأداء وزارة الخارجية، خاصة القضايا الأكثر تأثيرًا على مصر، من غزة وليبيا والسودان، إلى إثيوبيا والصومال، فى نقاش اتسم بالصراحة وتبادل الأسئلة المباشرة بين أعضاء اللجنة والوزير. وتخلل الجلسة عدد من النقاط التى طلب الوزير عدم نشرها، وهو التزام مهنى يحرص عليه الصحفى البرلمانى، فى إطار قواعد العمل داخل اللجان، ويعزز الثقة بين المجلس والصحفيين.
وتكرر المشهد فى اجتماع لجنة العلاقات الخارجية، برئاسة الدكتور محمد كمال، عضو المجلس عن حزب مستقبل وطن، الذى أتاح لمحررى البرلمان حضور اجتماعها مع وزير الموارد المائية والرى الدكتور هانى سويلم، وذلك بعد يومين فقط من رسالة الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى وتعليقه على ملف سد النهضة، ما أضفى على النقاش أهمية سياسية خاصة.
كما رصد الصحفيون مواجهات مباشرة بين أعضاء لجنة الإدارة المحلية والإسكان ووزير الإسكان شريف الشربينى، حول عدد من القضايا الشائكة، من بينها ملف الإيجار القديم وجهود الحكومة فى توفير وحدات بديلة، وسلطة الوزير فى حذف بعض المبانى من قوائم المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، إلى جانب أزمات الإسكان الاجتماعى.
إن حضور محررى البرلمان اجتماعات اللجان النوعية فى مجلسى النواب والشيوخ لا يمثل مجرد توسع فى هامش التغطية الصحفية، بل يعزز حق المواطن فى المعرفة، ويفعِّل الدور الرقابى للإعلام، عبر متابعة أداء النواب، وتوضيح مواقفهم وانحيازاتهم، وكشف ما يدور فى داخل مطبخ البرلمان الذى يتحول فيما بعد إلى تشريعات أو تعديل فى بعض السياسات.
يبقى السؤال مطروحًا هل هذا الانفتاح سيترجم إلى سياسة مستقرة، أم سيظل مرتبطًا بالأشخاص والظروف، هل نعود لأسس العرف البرلمانى ليكون الإتاحة والحق فى المعرفة هما القاعدة لا الاستثناء؟
كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة