فى كل موسم سينمائى، يظهر فيلم يبدو فى ظاهره عملا ترفيهيا عابرا، لكنه يحمل فى داخله ما يتجاوز حدود الحكاية المباشرة. فيلم «برشامة» واحد من هذه الأعمال التى يمكن قراءتها كمنتج جماهيرى خفيف، وفى الوقت نفسه كمرآة تعكس حال السينما المصرية اليوم، بما فيها من محاولات مستمرة لتحقيق المعادلة الصعبة بين الفن والسوق.
العنوان نفسه يفتح باب التأويل.. «برشامة» ليست مجرد مفردة يومية، بل دلالة على حل سريع، مؤقت، يسكّن الألم دون أن يعالج أسبابه. وهنا تطرح المقارنة نفسها: هل أصبحت بعض أفلامنا مجرد «مسكنات» لجمهور يبحث عن الترفيه السريع؟ أم أنها انعكاس لصناعة تحاول بدورها الهروب من أزماتها بتقديم وصفات مضمونة؟
على مستوى الموضوع، ينطلق الفيلم من فكرة تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها تحمل دلالات اجتماعية أعمق، إذ يتناول حكاية شخصيات تبحث عن حلول سريعة لأزماتها اليومية، سواء كانت مادية أو نفسية أو عاطفية. عبر سلسلة من المواقف المتشابكة، يكشف العمل عن نزعة معاصرة للهروب من المواجهة، واللجوء إلى «المسكنات» كبديل عن العلاج الحقيقى. لا يتوقف الفيلم عند حدود الكوميديا أو المفارقة، بل يلمح إلى حالة عامة يعيشها المجتمع، حيث تتزايد الضغوط، ويصبح البحث عن مخرج سريع هو الخيار الأسهل، حتى وإن كان مؤقتا أو زائفا. بهذا المعنى، يتحول «برشامة» من مجرد حكاية ترفيهية إلى قراءة رمزية لواقع يفضل الحلول السريعة على المواجهة الجذرية.
على مستوى الإخراج، يراهن المخرج خالد دياب على الإيقاع السريع كخيار أساسى. تتدفق المشاهد بوتيرة متلاحقة، مدفوعة بحركة كاميرا نشطة وانتقالات سريعة، ما يمنح العمل حيوية واضحة. لكن هذا الرهان يأتى أحيانا على حساب العمق، إذ تقل المساحات التى تسمح بتأمل اللحظة أو بناء توتر درامى حقيقى. يبدو الفيلم وكأنه يخشى التباطؤ، حتى لو كان ذلك فى صالح الحكاية.
أما السيناريو، الذى كتبه أحمد الزغبى وشيرين دياب، فيعكس بوضوح فلسفة «البرشامة». حبكة قائمة على مواقف متتالية، تسعى إلى تحقيق التأثير اللحظى أكثر من بناء تصاعد درامى متماسك. الأفكار موجودة، وبعضها يحمل إمكانات حقيقية، لكن المعالجة تميل إلى الاختصار والتبسيط. الحوار بدوره يؤدى وظيفة مباشرة فى دفع الأحداث، دون أن يتحول إلى أداة كاشفة بعمق عن الشخصيات أو دوافعها.
فى هذا السياق، يأتى أداء الممثلين كجزء من هذه التوليفة. يقدم هشام ماجد أداء يعتمد على خفة الظل والإيقاع الكوميدى الذى اعتاد عليه الجمهور، فينجح فى قيادة العمل جماهيريًا، لكنه لا يبتعد كثيرًا عن منطق الأداء الآمن الذى يضمن التأثير السريع دون مغامرة حقيقية.
فى المقابل، تمثل ريهام عبد الغفور إضافة مهمة على مستوى الحضور التمثيلى، إذ تحاول منح الشخصية أبعادًا إنسانية تتجاوز الإطار الكوميدى أو الخفيف، مستفيدة من خبرتها فى الأدوار المركبة، وهو ما يخلق توازنًا نسبيًا داخل العمل، حتى وإن لم يُستثمر بالكامل دراميًا.
أما باسم سمرة، فيقدم حضوره المعتاد القائم على الكاريزما والصلابة، ليضفى ثقلًا على بعض المشاهد، لكنه يظل محكومًا بإيقاع الفيلم السريع الذى لا يمنحه دائمًا المساحة الكافية للتعمق.
من جانبه، يواصل حاتم صلاح ومصطفى غريب تقديم نمط الكوميديا المعتمد على الإفيه السريع وردود الفعل المباشرة، وهو ما يضيف حيوية وإيقاعًا، لكنه فى الوقت نفسه يعزز الإحساس بأن الفيلم يعتمد على «جرعات» متتالية من الضحك أكثر من اعتماده على بناء درامى متكامل.
أما ميشيل ميلاد، فيمثل حضورا داعما داخل العمل، ينسجم مع التوليفة العامة دون أن يكون له مساحة كافية لترك بصمة واضحة، وهو ما يعكس مرة أخرى طبيعة الفيلم الذى يفضل الحركة المستمرة على التوقف عند التفاصيل.
تكشف هذه التوليفة عن طموح واضح لدى أبطال الفيلم: تحقيق معادلة جماهيرية ناجحة تقوم على السرعة والقبول والانتشار. لكن هذا الطموح يصطدم بحدود الكتابة والإخراج، التى لا تمنح كل ممثل فرصة حقيقية للتفرد أو إعادة اكتشاف أدواته.
وهنا تتكامل دلالة العنوان مع التجربة ككل. «برشامة» ليس فقط اسم فيلم، بل وصف لحالة: سينما تسعى إلى إرضاء جمهورها بجرعات مكثفة من الترفيه، لكنها تخاطر بأن تفقد، مع الوقت، قدرتها على البقاء فى الذاكرة. فالتأثير اللحظى، مهما كان قويا، لا يغنى عن العمق.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الفيلم ينجح فى تحقيق هدفه الأساسى: التواصل مع جمهور واسع، وفهم إيقاعه المتسارع وذائقته المتغيرة، فى زمن أصبحت فيه المنافسة مفتوحة مع محتوى عالمى عبر المنصات الرقمية.
يبقى السؤال الأهم: هل تكتفى السينما المصرية بتقديم «البرشامة» كحل سريع؟ أم أنها قادرة على تحويل هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق نحو سينما أكثر تنوعًا وجرأة؟
الإجابة لا تكمن فى فيلم واحد، بل فى مسار كامل. فالصناعة تحتاج إلى ما هو أبعد من المسكنات: تحتاج إلى مغامرة، وثقة فى جمهور قادر على استقبال أعمال أكثر عمقا. عندها فقط، قد تتحول «البرشامة» من مجرد علاج مؤقت، إلى بداية حقيقية للشفاء.