ومن التعاطف ما قتل.. السينما العربية والأبوة القاتلة (٢-٢)

الخميس 16 أبريل 2026 - 7:15 م

هل يمكن أحد حقًا أن يحصى عدد ونوعية الأفلام، السينمائية وغير السينمائية، التى تحققت خلال العامين الأخيرين عن غزة ومن حول غزة، ومستخدمة اسم غزة، من قبل حملة كاميرات، فلسطينيين أو غير فلسطينيين، بما فى ذلك شرائط تحققت بالريموت كونترول، من قبل أشخاص لا يعرفون غزة ولم يطأوا أرضها؟


الحقيقة أننى أنا، كناقد سينمائى ومتابع دءوب للإنتاج العربى بشكل عام والفلسطينى بشكل خاص، أعلن عجزى عن الإتيان بجواب عن هذا السؤال. ولكن، فى المقابل، إن طُرح على أحد سؤالًا يتعلق بالأمر نفسه لكن فى جانبه الآخر، وهو: ما القيمة الحقيقية للعدد الأكبر من تلك الشرائط؟ سأسارع بالإجابة أن تلك القيمة، من الناحية الفنية، تكاد تكون صفرًا.


ولكن من ناحية الفائدة منها، فمن المؤكد أنها سوف تكون ذات فائدة، لكن لاحقًا وبعد زمن، أى حين سيبدأ سينمائيون ومبدعون حقيقيون بالاشتغال على أفلام حقيقية ومفيدة، وربما «ذاتية» أيضًا، من حول غزة وما حدث فى غزة. وفى هذا الإطار نعرف أن النتاج سوف يكون مميزًا، وأن السينما والقضية الفلسطينيتين ستخرجان من الأمر رابحتين.. كالعادة.


ذلك أن المبدع السينمائى الفلسطينى يعرف تمامًا كيف يبدع أفلامًا تدعم قضيته، لكنها تشكل علامات فارقة فى تاريخ الفن السينمائى فى الوقت نفسه، من دون أن يخوض فى راهنية ستبدو بليدة فى تسرعها فى معظم الأحيان، لمجرد الرغبة فى قطف ثمار التعاطف مع القضية العادلة، التى هى قضية فلسطين، وبالتالى قضية غزة.


والفن لا ينتج أفضلَه لا تحت الضغط المتسرع، ولا تحت ربقة التعاطف المشروع. الفن شىء آخر، واسألوا فى ذلك مبدعين فلسطينيين من طينة ميشيل خليفى وإيليا سليمان ونجوى نجار ومى المصرى. بل اسألوا آن مارى جاسر وشيرين دعيبس، اللتين حتى فى غمرة الهمروجة السينمائية من حول عامى غزة الأخيرين، عرفتا كيف تنتجان شريطين يقولان غزة من دون أن تحضر هذه فيهما حقًا.


بل اسألوا مها الحاج، التى أعطت للمبدع الفلسطينى الكبير محمد بكرى آخر أدواره وأعظمها فى فيلم قال، دون أن يذكر غزة، كل شىء عن غزة وعن فلسطين وعن الإنسان العربى من خلالهما.


الحقيقة أن السطور السابقة لم تكن بالنسبة إلينا هنا سوى نموذج يؤكد ما نريد قوله. وهذا بالنسبة إلينا يمكن أن ينسحب على كثير من الشئون السينمائية وغير السينمائية، التى طرأت، على الأقل منذ بدايات هذا القرن، حين انتهز كثير من السينمائيين وغير السينمائيين العرب أحداثًا جعلت منطقتنا فى قلب أحداث العالم، وانتهت فى أغلب الأحيان تعاطفًا، كبيرًا أو صغيرًا، مع قضايانا وشعوبنا، لا سيما منها تلك التى ارتبطت بما تم التعارف على تسميته بالربيع العربى، لكى يمتشقوا كاميراتهم ويصوروا ويصوروا ويصوروا عشرات ألوف الساعات، معتبرينها فنًا جديرًا بالأوسكارات والسعف الذهبية وسواها من جوائز سينمائية، راحوا يرون أن شرائطهم، بل أعمالهم الإبداعية الأخرى، تستحقها.


صحيح أن ما نقوله هنا ينطبق على العديد من الفنون والآداب، لكننا نحصر كلامنا فى السينما، وربما الشرائط المتلفزة أيضًا، لأنها الأكثر بروزًا وإثارة.. لغيظ أنصار الفنون الحقيقية. وهؤلاء، كما نعرف، يُحمد للسينمائيين الذين ذكرناهم أعلاه، كما لرفاقهم فى لبنان وسوريا والعراق وبلدان الخليج والمغرب العربى والسودان، كونهم «أخذوا وقتهم» قبل أن يزعموا أنهم يقدمون أعمالًا فنية حقيقية. وأنهم إذ تطلعوا تطلعًا مشروعًا للحصول على اهتمام جوائزى أو غير جوائزى عالمى، تمهلوا فى حلمهم، جاعلينه أول الأمر، وبكل واقعية ممكنة، مقتصرًا على خلق عدوى صحية من حول القضية التى يعبرون عنها.


أما المشكلة هنا، فهى أن الأجيال الجديدة من حاملى الكاميرات العربية؛ ولأن «القضية» تواجه بقدر كبير من التعاطف، لا سيما أن «الخصم» فيها هذه المرة نظام من أعتى الأنظمة الإجرامية (فى فلسطين)، وأنظمة تشبهه، وإن كانت لا يمكنها أن تساويه فى إجرامه (فى البلدان التى أحدث فيها الربيع العربى تلك التبدلات التى يثير بعضها ندمًا، على أية حال، اليوم!)، خُيّل لمن باتوا اليوم «سينمائيينا» الجدد أن ذلك التعاطف يمكنه أن يشمل كل ما ينتجون.


وهم فعلوا ذلك مستندين إلى كثر زيّنوا لهم أن ما ينتجون هو أحسن الإبداع فى أحسن العوالم الممكنة، كما إلى وسائل تواصل إلكترونية تمنحهم درجات التميز كيفما اتفق، بتوقيع جهل يستندون إلى وطنية أكيدة، لكن ليس إلى حس إبداعى أكيد، فى دائرة جهنمية جعلت منتجى الشرائط يعتقدون أن الأوسكار والسعف الذهبية قليلة عليهم وعلى أعمالهم.


هم الذين لا يدركون أن الطابع الغالب على تلك الأعمال يتراوح بين أقصى درجات الانتهازية، وأسمى الدرجات المتعلقة بتراكم من نوع «القرش الأبيض» الذى سيفيد فى الأيام السود، حين ينصرف مبدعون حقيقيون هذه المرة إلى تحقيق أعمال حقيقية إبداعية رافدة للقضايا الصحيحة، تقول ما حدث فيما حدث، بعيدًا عن الصخب المجنون السائد حاليًا وعلى مجمل «الجبهات».


عندها فقط، سيكون من حق المبدعين توقع الاعتراف الكونى والتقدير المحلى والإقرار العام بأن ما أنتجوه هو جزء أساسى من تاريخ السينما والفن، وأكثر من ذلك، تاريخ الشعوب، وقد تحقق بأشكال ومضامين راسخة على أيدى مبدعين حقيقيين من طينة الذين جعلوا للسينما العربية، خلال ثلث القرن الأخير، مكانة فى السينما العالمية، وليس على صفحات الفيسبوك وفى هتافات المتظاهرين التى، فى هذا المجال بالذات، لا تسمن ولا تغنى عن جوع، وليست سوى فقاعات عابرة فى أحسن أحوالها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة