التصالح في جرائم الدم: محاذير ومعطيات ناقصة
الخميس 16 أبريل 2026 - 8:16 م
أعلم أنه يصعب حاليًأ الحديث عن تعديل المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد التي استحدثت لأول مرة في تاريخ التشريع المصري نظامًا للتصالح في جرائم القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت بين الجاني وورثة المجني عليه قبل صدور حكم بات بما يوجب على القضاء تخفيف العقوبة درجة أو درجتين وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بإعمال الرأفة.
أسباب الصعوبة واضحة: القانون طازج ولم يدخل حيز النفاذ بعد، وليس سهلًا إعادة النظر في المادة 22 أو غيرها على ضوء حالات معدودة صدرت فيها أحكام قضائية.
لكن الصعوبات لا يجب أن تمنعنا من تقييم المادة 22 وفتح نقاش جاد بشأنها، حيث تباينت آراء المتخصصين والمواطنين بعدما نشرت "الشروق" تقريرًا الثلاثاء الماضي عن حكم "النقض" الذي طبّق المادة مبكرًا دون انتظار موعد سريان القانون أول أكتوبر المقبل، باعتبارها قانونًا أصلح للمتهم، واعتدّ بالتصالح فأنقذ مدانين اثنين من حبل المشنقة وقضى بالمؤبد لأحدهما وبالمشدد 10 سنوات للآخر في واقعة قتل مع سبق الإصرار.
بالعودة للوراء قليلًا نستحضر ثلاثة مشاهد من العام الماضي 2025:
24 فبراير: د. علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق ورئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب يعلن التقدم بمقترح للتصالح في القتل العمد باعتباره "أمرًا مبررًا شرعًا ويساعد على الحد من الجرائم الثأرية". وفي اليوم التالي يوافق عليه مجلس النواب ضمن مناقشات مشروع "الإجراءات الجنائية".
6 مارس: الأزهر ينشر بيانًا من د. عباس شومان، رئيس اللجنة العليا للمصالحات الثأرية، يستعرض حيثيات المقترح ذاته مثل أن اللجنة لاحظت "ترحيبًأ شعبيًا كبيرًا بإرساء الصلح في جرائم القتل" وأنه في كثير من الخصومات "يصدر القضاء أحكامًا بإعدام الجناة وتتمكن اللجنة من تحقيق الصلح" وأن تخفيف العقوبة حال التصالح سوف "يدعم أعمال اللجنة ويضيّق دائرة الثأر".
22 نوفمبر: لجنة المصالحات بالأزهر ترحب بصدور القانون بالمادة المستحدثة 22 وتعتبرها "خطوة تشريعية مهمة لتحقيق الاستقرار المجتمعي وتوفير غطاء قانوني للأزهر للقضاء على ظاهرة الثأر وإرساء السلم الأهلي".
وهنا تبرز عدة ملاحظات:
1- اقتصرت دراسة المادة على الجانب الشرعي الفقهي المتجه أصلًا إلى أن الصلح والتنازل يسقط القصاص عن القاتل مع جواز إنزال عقوبة مناسبة بالجاني على وجه التعزير ولو كان ذلك بعد عفو أولياء الدم (نص مذكرة أرسلتها دار الإفتاء إلى المحكمة الدستورية العليا عام 2015).
2- اقتصار المبررات الواقعية للمادة على دعم جهود لجنة المصالحات بالأزهر، وهي تلعب بالفعل دورًا مشهودًا خاصة بمحافظات الصعيد، لكنها لا تتداخل مع الغالبية الكاسحة من وقائع القتل العمد بحالاته والضرب المفضي إلى الموت دون تاريخ ثأري.
3- تغيير جذري كهذا كان يستوجب حوارًا موسعًا مع علماء اجتماع وقضاة وخبراء أمنيين، يحاول استشراف تأثير المادة 22 على الظاهرة الإجرامية من منظورين أساسيين: الردع العام، وتحقيق العدالة دون تمييز.
4- غاب أيضًا قياس الأثر التشريعي للتصالح في حالات القتل الخطأ المُستحدث منذ عشرين عامًا بالقانون 145 لسنة 2006. وله بالتأكيد دلالات مهمة بشأن عدد الجرائم وأنماطها، ونسبة نجاح الصلح وانقضاء الدعوى، والعقبات المالية والإجرائية.
5- خطر التمييز على أساس الطبقية والقدرة المالية يسكن نص المادة 22 وسيظهر للعيان بمجرد التطبيق على أرض الواقع. وليس من مصلحة أحد تحويل الأمر إلى تجارة و"شطارة" تسيء استغلال القانون.
6- خلت المادة من آلية واضحة لمنع التلاعب بورثة المجني عليهم من البسطاء والفقراء، فكان يجب وضع شروط محددة لإبرام الصلح تضمن الجدية وإعطاء كل ذي حق حقه، تحت رقابة النيابة العامة أو المحكمة، بما يغلق أبواب التلاعب.
7- إلزام المحاكم باستخدام الرأفة يتناقض مع فلسفة المادة 17 من قانون العقوبات، القائمة أساسًا على توسيع السلطة التقديرية للقضاة في تخفيض العقوبة. وربما كان من الأفضل استحداث مادة خاصة لحالات الصلح تراعي اعتبارات الزجر العام.
8- يجب إعادة النظر في التناسب المنطقي بين الجرائم محل الصلح وتلك التي لم تتطرق إليها المادة 22، حتى لا ننتهي إلى توقيع عقوبات هزيلة في جرائم شديدة الوطأة، والعكس في وقائع غير خطيرة.
ولا ننسى أن المادة 22 غابت تمامًا عن أي نقاش حقوقي حول المشروع، ولم يقرأ أحد –خارج البرلمان- صيغتها النهائية إلّأ بعد صدور القانون.. ولهذه المسألة حديث آخر.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا