x قد يعجبك أيضا

شظايا الهوية!!!

الأحد 14 ديسمبر 2025 - 8:10 م

لا تصدمك مثل تلك الأسئلة المبطنة عندما تأتى من شخص لا يعرفك أو شخص عابر، لكنها حتمًا توقف الحوار وتضع فواصل بين الأحرف، أو ربما أسوارًا تفصل الكلمة عن الأخرى وتفكك اللغة. المشهد أو السؤال صدمك مرة عندما كان الحديث عن التحولات فى سوريا ولبنان وانطلاقات بوادر المرحلة الجديدة من المشروع الصهيونى تحت مسميات عدة. سقط السؤال كما غيره، إلا أن الفرق كان أن من طرح السؤال إعلامى وصحفى مخضرم كما يسمونهم، بل كان كاتبًا ومحللًا للمشهد السياسى فى الخليج والدول العربية على مدى عقود. كان سؤاله بعيدًا عن موضوع الندوة، حيث ترك المشروع الصهيونى والإبادة فى غزة والعربدة الإسرائيلية فى سوريا ولبنان واليمن وغيرها، وركز على مواضيع أخرى ودول غامزة من جهة الهوية العرقية والدينية ربما!!

• • •

بعدها بفترة طويلة، جاء سؤال من شخص مرهف وأديب وشاعر وكاتب، وهو الآخر مخضرم أيضًا!! وكان السؤال منحصرًا فى الطائفية والهوية وبعيدًا عن المشهد العام ومحور الحديث الذى كان حول الانتهاكات فى مجال حقوق الإنسان فى بعض الدول التى شهدت تحولات فى قياداتها السياسية أو أنظمتها. هو الآخر أنكر جرائم القتل والتنكيل وراح ينبش خلف الهويات الضيقة. راح يسأل عن تلك الطائفة وغيرها وحصر الأمر مرة أخرى فى الهويات الصغيرة المقسمة لأى مجتمع، والتى أصبحت مادة دسمة فى يد الإعلام «الموجَّه» ووسائل التواصل الاجتماعى «المُجَيَّشَة»، التى ساهمت فى تحويل الهوية إلى هويات تفرق لا تجمع.

• • •

لم ير مما يحدث سوى تحولات طبيعية فى مجرى بناء الدولة الحقيقية، الذى تأخر فى كثير من دول المنطقة لأسباب ليس مجال شرحها هنا. هو الآخر شرع الأبواب للبحث عن مفهوم الهوية وكيف تحول من هوية جامعة إلى هويات تقسم وتفتت المتفتت، وتصبح مادة دسمة فى يد الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى «الموجَّهة»، لتزيد من حجم الانقسام وتصبح الهوية أصغر من خُرْم فى حائط.

• • •

لم تكن الهوية، فى أصلها، مشروع صراع. وُلدت بوصفها تعريفًا للذات، وجسرًا بين الفرد ومحيطه، ومظلّة انتماء تمنح الإنسان شعورًا بالمعنى والاستمرارية. كانت الهوية الثقافية أو الدينية أو الوطنية إطارًا جامعًا، يسمح بالتنوّع داخله، لا سكينًا تُجزّأ بها المجتمعات، بل ربما تُذبح. غير أن التحوّل الأخطر الذى شهده عالمنا المعاصر هو انتقال الهوية من كونها فضاءً للانتماء إلى كونها أداة تُدار سياسيًا لإنتاج الفرقة والاقتتال.

• • •

وربما قدّم «الربيع العربى» مثالًا صارخًا على هذا المسار، حيث انطلقت الانتفاضات الأولى بشعارات جامعة: الكرامة، الحرية، العدالة الاجتماعية، دولة القانون. لم يكن سؤال الهوية حاضرًا فى الميادين، ولم تكن الانتماءات الفرعية هى المحرّك. لكن ما إن تعثّر الانتقال السياسى، وتقدّمت مشاريع السلطة المضادة، حتى جرى استدعاء الهوية كسلاح. تحوّلت الثورات إلى صراعات داخلية، وتبدّل الصراع من مواجهة الاستبداد إلى اقتتال بين مكوّنات المجتمع الواحد، كلٌّ باسم «حماية هويته».

• • •

فى سوريا ولبنان واليمن وليبيا والعراق والسودان وغيرها، رأينا كيف تُدار الهوية لا بوصفها حقيقة اجتماعية، بل كأداة تعبئة وتخويف. صارت الطائفة بديلًا عن الدولة، والعرق بديلًا عن المواطنة، والانتماء الضيق بديلًا عن العقد الاجتماعى. ومع غياب الدولة العادلة، تصبح الهوية الملاذ الأخير، لكنها ملاذ هشّ، يتحوّل بسرعة إلى قيد وسجن، بل تصبح وسيلة لضرب أى مشروع طمحت وتطمح له الشعوب فى المنطقة من النهوض بمفهوم الدولة الحاضنة العادلة والجامعة، بدلًا عن النخب السياسية التى تحكم فتقسم، أو حتى الفضاءات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعى والجيوش الإلكترونية التى أصبحت مهمتها الرئيسية تفكيك المجتمعات وزراعة الشكوك بين المواطن والمواطن، بل وخلق أجواء من الكراهية والخوف من «الآخر»، حتى يصبح العيش المشترك وهمًا، والتعددية خطرًا على ما يسمونه «هوية الوطن» حسب مفهومهم المحصور فى مصالحهم الضيقة أو ربما مشروعهم السياسى!

• • •

هنا تتحول الهوية أو الهويات من كونها مصدرا غنيا حضاريا فى أى مجتمع إلى مشروع تفتيت سياسى وثقافى، قابل أحيانًا للتحول إلى حرب أهلية كما حذر ابن خلدون منذ عصور، وجاء بعده بعقود أمارتيا سن ليعيد التأكيد على أن الإنسان لا يختزل فى هوية واحدة، لأنه كائن متعدد الطبقات، والانتماء الواحد حين يُفرض يتحول إلى قفص يُدار ويُغذّى من قبل أجهزة مختصة، حتى تفقد المجتمعات الصغيرة منها والكبيرة قدرتها على العيش معًا! أما حسن أوريد فى كتابه الجديد «فخ الهويات»، فيفتح أبوابًا واسعة لإعادة النقاش حول الهوية وما تحمله من قدرة على الجمع أو التفرقة والتمزق المدمرين!! حيث تصبح الهوية الضيقة بديلًا عن المواطنة والعدالة، وستارًا لإخفاء فشل الدولة!!

كاتبة بحرينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة