x قد يعجبك أيضا

الإصلاح الضريبى بين توسيع القاعدة وترسيخ العدالة

الإثنين 5 يناير 2026 - 8:55 م

لا يمكن أن تعمل أى حكومة فى غيبة حيّز مالى مناسب، يسمح لها بأداء مهامها من توفير وصيانة للبنية الأساسية المادية والمؤسسية، وإنفاق اجتماعى يحد من الفقر، فى غيبة إيرادات ضريبية مستقرة. وإذ لا تتجاوز نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلى الإجمالى فى مصر 13%، فإنها تقبع عند مستوى أدنى بكثير من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، التى ارتفعت فيها تلك النسبة من 24.9% عام 1965 إلى نحو 33.7% عام 2023. وإذا كانت نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج فى مصر متشابهة مع نظيراتها من دول الدخل المتوسط المنخفض، فإنها تفتقر إلى إيرادات ريعية مناسبة لتعويض هذا النقص الحاد فى مستوى التحصيل الضريبى، من ذلك مثلًا الفائض النفطى أو الوفرة فى الموارد الطبيعية الأخرى. ويعكس هذا الضعف فى القاعدة الضريبية حاجة الحكومة المستمرة إلى الاقتراض، خاصة مع تزايد طموحات التحديث وإقامة المشروعات الكبرى.


وفى الجانب الآخر من الموازنة، تشكّل فوائد الديون العامة عبئًا ثقيلًا، حيث تستهلك ما يقرب من 87% من إجمالى الإيرادات الضريبية المتوقعة فى الموازنة العامة. وهذا يعنى أن الجزء الأكبر من حصيلة الضرائب التى يدفعها المواطنون والمؤسسات يلتهمه الدائنون، قبل تخصيص الموارد اللازمة للخدمات الاجتماعية والبرامج التنموية.


• • •
فى هذا السياق يأتى حديث وزير المالية عن التسهيلات الضريبية وتوسيع قاعدة الممولين فى لحظة فارقة، لا تتعلق فقط بالحاجة إلى موارد مالية إضافية، بل بضرورة إعادة بناء العلاقة بين الدولة ودافعى الضرائب على أسس أكثر عقلانية وعدالة واستدامة. فالاقتصاد المصرى، كغيره من اقتصادات الدول النامية، يعانى اختلالًا تاريخيًا فى هيكل الإيرادات العامة، حيث تتراجع كفاءة الضرائب المباشرة، ويتسع نطاق الاقتصاد غير الرسمى، بينما يُلقى العبء النسبى الأكبر على شريحة محدودة من الممولين الملتزمين. ومن ثم، فإن أى إصلاح ضريبى جاد لا يمكن أن يُختزل فى تعديلات تشريعية أو حزم تحفيزية منفصلة، بل يجب أن يُقرأ باعتباره محاولة لإعادة صياغة «العقد الضريبى» بين الدولة والمجتمع.


اللافت فى خطاب السيد وزير المالية ليس فقط تنوّع الإجراءات المطروحة، بل التحول الواضح فى المنهج واللغة؛ فالممول لم يعد مجرد طرف خاضع، بل «شريك ممول» تُخاطبه الدولة بمنطق الخدمة وتيسير الامتثال، لا بمنطق الاشتباه والعقاب. هذا التحول فى الخطاب، إذا ما كُتب له أن يُترجم إلى ممارسات مؤسسية مستقرة، يمكن أن يمثّل نقطة انعطاف حقيقية فى مسار الإصلاح، لأن الامتثال الطوعى، كما تؤكد الأدبيات الاقتصادية، أقل تكلفة وأكثر استدامة من الامتثال القسرى، وأكثر قدرة على توسيع القاعدة الضريبية دون خنق النشاط الاقتصادى.


غير أن توسيع القاعدة الضريبية، وهو الهدف الذى تكرر التأكيد عليه فى الخطاب الإعلامى لوزير المالية النشط، يظل مفهومًا ملتبسًا ما لم يُحسم مساره بوضوح. فالتجربة المصرية، شأنها شأن تجارب عديدة فى دول نامية، تُظهر أن أسهل طرق «التوسيع» إداريًا هى زيادة العبء على الملتزمين فى السداد، سواء عبر تشديد الفحص أو توسيع التقدير أو تأخير رد المستحقات، لكنها فى الوقت نفسه أكثر الطرق إضرارًا بالثقة والاستثمار. أما المسار الأصعب، والأكثر نجاعة، فيتمثل فى إدخال غير المنضمين إلى المنظومة عبر تبسيط الإجراءات، وخفض تكلفة الامتثال، وتقديم حوافز واضحة وقابلة للتنبؤ. وهى المعايير التى نلمس جدية واضحة فى الخطاب الحكومى بشأنها، خاصة مع استحداث منصات إلكترونية تقلل التعامل البشرى مع المحصلين، وعدم ربط حوافز مأمورى الضرائب بحجم الحصيلة، وإنما بحجم الإنجاز من العمل وبمؤشرات عادلة لمختلف الأطراف.


• • •
تؤكد التجارب الدولية الرائدة فى الإصلاح الضريبى أن نجاح هذا الإصلاح لا يتحقق عبر رفع المعدلات الضريبية بقدر ما يقوم على إعادة بناء الثقة بين الدولة والممول، من خلال الرقمنة الذكية والشفافية والتبسيط، وهو ما تجسّد بوضوح فى التجربة الجورجية، التى لم تكتفِ بأتمتة الإجراءات القائمة، بل أعادت تصميم النظام الضريبى من جذوره بهدف تقليص الاحتكاك المباشر بين الممول والموظف العام إلى أدنى الحدود، الأمر الذى أسهم فى خفض النزاعات الضريبية وتعزيز الامتثال الطوعى، رغم انخفاض المعدلات الضريبية الاسمية مقارنة بدول أخرى، فكانت النتيجة نظامًا أكثر كفاءة وقابلية للتنبؤ، انعكس إيجابًا على مناخ الأعمال والاستثمار.


كذلك نجحت سنغافورة فى ترسيخ رابطة واضحة بين دفع الضرائب والحصول على خدمات حكومية عالية الجودة وبنية تحتية عالمية المستوى، بما جعل المواطن والمقيم ينظران إلى الضريبة باعتبارها استثمارًا فى جودة الحياة والاقتصاد، لا مجرد عبء مفروض. وفى هذا الإطار، يبرز الاستثمار فى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى كعنصر حاسم، شريطة أن يكون موجّهًا لخدمة فلسفة إصلاحية واضحة، فلا يكون الهدف مجرد أتمتة التعقيدات القائمة أو تحويل الأدوات الرقمية إلى آليات رقابة واسعة، بل أن يسهم التحول الرقمى فى تقليص الغموض وتوحيد التفسيرات القانونية، والحد من السلطة التقديرية الفردية التى تولّد النزاعات، وتبسيط عملية الامتثال وجعلها سريعة وواضحة، بحيث تصبح كلفتها أقل من كلفة التهرب، وهو ما يبرهن فى النهاية على أن جوهر الإصلاح الضريبى الفعّال يتمثل فى بناء نظام عادل وبسيط وشفاف، يعمل كشريك فى عملية التنمية الاقتصادية لا كعائق أمامها.


ولا يقل اليقين الضريبى أهمية عن مستوى العبء الضريبى ذاته. فالمستثمر، محليًا كان أو أجنبيًا، يستطيع التعامل مع ضريبة مرتفعة نسبيًا إذا كانت واضحة ومستقرة، لكنه يعجز عن التعامل مع نظام متقلب أو قابل لإعادة التفسير بأثر رجعى. ومن هنا، فإن ربط التسهيلات الضريبية بزيادة معدلات اليقين يمثل مقاربة صحيحة، تؤكدها التجربة المغربية، حيث أسهمت المذكرات التفسيرية الملزمة، وتوسيع نطاق التسوية الودية، والحد من التقدير الجزافى، فى تحسين مناخ الأعمال دون التفريط فى الحصيلة.


• • •
غير أن اختبار العدالة الضريبية الحقيقى يظهر بوضوح فى ملف الضريبة العقارية، الذى يظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا. فالدفع بدستورية فرض ضريبة على بيت الإقامة لا يعنى بالضرورة أنها ضريبة عادلة أو ملائمة للسياق الاقتصادى والاجتماعى. فالدستور يجيز الفرض من حيث المبدأ، لكنه لا يحدد كيفية التصميم ولا شروط التطبيق، وهما العنصران الحاسمَان فى تحويل الضريبة من أداة جباية إلى أداة عدالة وتنمية. والتجارب الدولية، خصوصًا فى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، تُظهر بوضوح أن السكن الأساسى غالبًا ما يُعامل معاملة خاصة. ففى الهند، تُمنح إعفاءات واسعة على المسكن الأول، وتُستخدم الضريبة العقارية أساسًا كأداة محلية لتمويل الخدمات البلدية، مع تركيز العبء الأكبر على العقارات الاستثمارية والتجارية. والضريبة العقارية بهذا المضمون اللامركزى أشبه بتكاليف الصيانة التى يدفعها شاغلو الوحدات فى المجمعات السكنية بالمناطق الجديدة، والذين عادة ما يدفعون مبلغًا كبيرًا فى صورة وديعة للصيانة، ثم ما تلبث إدارة الكمباوند أن تفرض مصاريف شهرية تشبه الضريبة، وتُستخدم فيما تُستخدم فيه الضريبة على السكن فى معظم الدول التى تطبّق تلك الضريبة وتنفق حصيلتها بصورة محلية لامركزية.


فى جنوب إفريقيا، تُطبَّق الضريبة العقارية بحدود إعفاء مرتبطة بالقيمة السوقية، بما يراعى تفاوت الدخول، ويمنع تحميل الأسر محدودة الدخل عبئًا لا يتناسب مع قدرتها على الدفع. وفى البرازيل، استُخدمت الضريبة العقارية كذلك كأداة لتقليل تخزين الأراضى والعقارات غير المستغلة، عبر معدلات تصاعدية تشجع الاستخدام الإنتاجى للأصول بدل تجميدها.


• • •
من هنا، فإن أى حديث عن تسهيلات ضريبية أو إصلاح شامل يظل منقوصًا ما لم يُدمج فى رؤية أوسع للعدالة الضريبية، توازن بين توسيع القاعدة وحماية الفئات الأضعف، وبين تحفيز الاستثمار ومنع انتقال العبء إلى من لا يملكون أدوات التكيّف. ولا شك أن استحداث إدارات لخدمة العملاء، وتسريع رد ضريبة القيمة المضافة، وتطوير آليات الطعن والتسوية، كلها خطوات إيجابية ومطلوبة، لكنها تظل أدوات لا غايات. فالغاية الحقيقية هى بناء نظام ضريبى يُنظر إليه باعتباره منصفًا، قابلًا للتنبؤ، ومحفزًا للنشاط، لا مجرد آلة تحصيل أكثر كفاءة. والإصلاح الضريبى الحقيقى يُقاس بمدى شعور الممول، بعد سنوات، أن دخوله إلى المنظومة كان خطوة للنمو والاستقرار، لا عبئًا إضافيًا يُضاف إلى سلسلة من الالتزامات غير المتكافئة.


فى المحصلة، يعكس خطاب وزير المالية إدراكًا متقدمًا لتعقيدات النظام الضريبى وحاجة الدولة إلى تحديثه، ويعبّر عن تحول إيجابى فى المقاربة والأدوات، بما يعكس رغبة واضحة فى توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل دون الإخلال باستقرار الاقتصاد. ويظل الرهان الحقيقى فى هذا المسار هو الاستمرار فى ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات متدرجة ومتوازنة، تأخذ فى الاعتبار خصوصية الملفات الحساسة، وفى مقدمتها الضريبة العقارية، بحيث تُصاغ وتُطبَّق فى إطار يحقق العدالة ويعزز القبول المجتمعى.


كاتب ومحلل اقتصادى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة