حكومة «تخفيف الأحمال»!

الجمعة 13 فبراير 2026 - 6:10 م

لا يتوقف كثيرون أمام الأسماء التى تم تكليفها بحمل حقائب وزارية فى التعديل الحكومى الأخير، بقدر ما يشغلهم حدوث تغيير حقيقى وملموس فى التوجهات والانحيازات والسياسات الحكومية التى يمكن لها المساهمة فى تخفيف الأحمال والأعباء الاقتصادية والمعيشية المتزايدة والضاغطة على أعصاب الجميع، وتحقيق الرضا المجتمعى الذى تراجع منسوبه لدى قطاعات من المواطنين.
ليس معنى ذلك أن أسماء حاملى الحقائب الوزارية ليست مهمة أو مسألة هامشية، بل على العكس تماما، إذ إنه من الضرورى تمتعها بالكفاءة والخبرة والنزاهة والسمعة الحسنة، حتى تتمكن الحكومة الجديدة من وضع ما يمكن تسميته بـ«خريطة طريق» حقيقية، ترسم ملامح «الخروج الآمن» من هذه المرحلة الخطرة والقلقة التى تعيشها البلاد، وبأقل الأضرار الممكنة.
الحكومة الجديدة أمامها بالتأكيد تكليفات رئاسية محددة، منها «وضع خطة لكل وزارة تتضمن المستهدفات والإجراءات ومدة التنفيذ والتمويل اللازم ومؤشرات قياس الأداء، وإعطاء أولوية لتحسين الوضع الاقتصادى والتوجه نحو تخفيض حجم الدين العام بأفكار جديدة، ومواصلة تنفيذ سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص فى المجال الاقتصادى».
كذلك «الارتقاء المستدام بمنظومة التعليم من كل جوانبها، وزيادة الاهتمام بصحة المواطنين وتيسير العلاج لهم، وإعلاء قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز وتشجيع المشاركة فى الشأن العام بإجراءات شفافة تلبى طموح المواطنين».
وأيضاء «إعطاء أهمية قصوى للرأى العام وتبصرته بصفة مستمرة بالحقائق من خلال إعلام وطنى قادر على الوصول إلى كافة مكونات المجتمع المصرى، وتقديم خطاب مهنى مسئول إليهم، يُشكل وعيًا جمعيًا أمام ما نواجهه من تحديات وما ينشر من شائعات، ويعزز من ثقافة الحوار البناء، وتنمية القدرة على التفكير السليم، واحترام آراء الآخرين».
تنفيذ هذه التكليفات الرئاسية الطموحة على أرض الواقع وبنسب نجاح حقيقية، يفرض على الحكومة اتباع سياسات جديدة ومسار مختلف عما كانت تتبناه خلال السنوات الماضية، وأدت بنا إلى هذا الوضع الصعب والمعقد إلى درجة كبيرة، وكذلك المسارعة الجادة نحو وضع المواطنين ومصالحهم ومشكلاتهم نصب أعينها، وألا تتعامل معهم باعتبارهم «أحمالا زائدة» عن الحد المسموح، لا يجوز أو ينبغى لهم البوح أو الشكوى والأنين من قسوة وصعوبة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، وعدم قدرتهم على تدبير متطلبات الحياة اليومية جراء الارتفاع الهائل فى أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية.
هل تستطيع الحكومة الجديدة تحقيق ذلك؟ بالتأكيد.. تستطيع شرط أن تهرول سريعا نحو معالجة جادة وحاسمة وموضوعية لتعقيدات الملف الاقتصادى المتخم بالمشكلات والمعضلات الهيكلية، والعمل بقوة على حماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة فى المجتمع، وكبح جماح الزيادات المتلاحقة فى أسعار جميع السلع والخدمات، والنقد الذاتى الأمين لعمل أعضائها ومحاسبة المقصرين عن أداء المهام الموكلة إليهم، والبحث عن حلول جديدة للخروج من الأزمة الراهنة، والحد من الإنفاق على المشروعات التى لا تدر عائدا على المدى القصير، وتوجيه كافة الطاقات لزيادة الصادرات وتعظيم مشاركة القطاع الخاص فى الاقتصاد وعدم منافسته أو التضييق عليه، والتوقف عن الشهية المفتوحة للاقتراض من الخارج مما ساهم فى استفحال أزمة الديون الحالية.
ليس هذا فقط، بل ينبغى على الحكومة الجديدة وفى ضوء التوجيه الرئاسى لها بتعزيز ثقافة الحوار البناء، واحترام آراء الآخرين، توجيه اهتمامها نحو العمل الجاد على فتح المجال العام وإعادة إحياء السياسة ومعالجة الأخطاء التى حدثت خلال السنوات الماضية، وتهيئة المناخ الملائم للأحزاب للعمل بحرية تحت مظلة وسقف القانون، وإنهاء ملف المحبوسين على ذمة قضايا الرأى ممن لم يحرضوا على العنف أو تلوث أيديهم بالدماء، والسماح لوسائل الإعلام بحرية أكبر فى الحركة والمتابعة والعمل وممارسة دورها المهنى الطبيعى والمسئول فى مراقبة وكشف جوانب القصور فى أداء بعض الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية بكل موضوعية وحيادية وشفافية.
يريد الجميع بالتأكيد حكومة «تخفيف أحمال» ليس بالمعنى السلبى الراسخ فى الذاكرة والمتعلق بقطع التيار الكهربائى عن المواطنين كما كان يحدث فى أوقات سابقة، ولكن بالمعنى الإيجابى، المتمثل فى العمل سريعا على رفع الأعباء الاقتصادية والمعيشية التى تثقل كاهلهم ووقف سياط الأسعار التى تلهب ظهورهم، خصوصا وأن قدرتهم وطاقاتهم على الاحتمال قاربت على النفاد بعد سنوات من الصبر على تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادى!

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة