قراءة عالم اليوم بعيون كافكا وليبرمان.. عجز الفرد وعزلته

الجمعة 24 أبريل 2026 - 5:35 م

حفزتنى زيارة أخيرة لألمانيا، وخلالها استمعت فى برلين إلى قراءة أدبية من أعمال الكاتب فرانتس كافكا وزرت بيت الرسام ماكس ليبرمان فى مدينة بوتسدام، على العودة إلى الاستمتاع الروحى والعقلى بالأدب والفن والتفكير بعيدا عن السياسة فى طرق أخرى لمقاربة عالم اليوم بتحولاته الكثيرة والسريعة.


وُلد فرانتس كافكا عام 1883 فى براغ وتوفى عام 1924، وهو أحد أكثر كتّاب القرن العشرين تأثيرًا رغم أنه لم ينشر سوى جزء محدود من أعماله فى حياته. عاش كافكا فى لحظة تاريخية مضطربة بين تراجع الإمبراطوريات الأوروبية وصعود البيروقراطيات الحديثة وبدايات الحداثة الصناعية، وهو سياق ترك أثره العميق فى رؤيته للعالم. فى رواياته مثل المحاكمة والقلعة، يقدم عالمًا يتحول فيه النظام إلى قوة غامضة، غير مرئية، لكنها مطلقة التأثير، حيث يجد الفرد نفسه محاصرًا داخل شبكة من القوانين والإجراءات التى لا يفهمها ولا يستطيع الوصول إلى مركزها. أما ماكس ليبرمان فقد وُلد عام 1847 وتوفى عام 1935، وهو من أبرز رواد الانطباعية فى ألمانيا، وقد ركز فى أعماله على الحياة اليومية والحدائق والمشاهد الاجتماعية، لكنه فعل ذلك بعين تميل إلى التقاط التوتر الصامت داخل اللحظة العادية، وكأن الحياة نفسها تحمل طبقة خفية من القلق الهادئ خلف مظهرها المستقر.


حين ننظر إلى عالم 2026، بكل ما فيه من حروب مفتوحة أو كامنة، وصراعات جيوسياسية ممتدة، وتوترات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة، وشعور عالمى متزايد بعدم اليقين، فإن قراءة هذا العالم من خلال كافكا وليبرمان لا تبدو مجرد استعارة ثقافية، بل تبدو أقرب إلى طريقة لفهم البنية العميقة للواقع نفسه. فالعالم اليوم، رغم فائض المعلومات واتصال البشر غير المسبوق، لا يبدو أكثر وضوحًا، بل ربما أكثر تعقيدًا وغموضًا. وهنا يصبح كافكا مرآة لفهم البنية غير المرئية للسلطة، وليبرمان مرآة لفهم التجربة الإنسانية اليومية داخل هذا الغموض.


• • •
العنصر الكافكوى فى عالم 2026 يظهر أولًا فى تضخم الأنظمة التى تحكم حياة الأفراد والدول معًا. فهناك أنظمة رقمية وخوارزميات تحدد تدفق المعلومات وتضع يدها على كل ثغراتها الأمنية (نموذج ميثوس للذكاء الاصطناعى من أنثروبيك مثالا)، وأسواق مالية تتحرك بسرعات غير قابلة للإدراك الفردى، ومؤسسات دولية وإقليمية تتداخل صلاحياتها، إضافة إلى دول تستخدم أدوات مراقبة وتحليل بيانات واسعة النطاق. الفرد اليوم لا يواجه سلطة واحدة واضحة، بل شبكة من السلطات المتداخلة التى يصعب تحديد مركزها. هذا يشبه إلى حد بعيد بطل المحاكمة الذى يُتهم دون أن يعرف التهمة، ويُحاكم داخل نظام لا يستطيع رؤية حدوده أو فهم منطقه الداخلى.


وفى هذا السياق يصبح الإحساس بالعجز ليس نتيجة غياب المعلومات، بل نتيجة فائضها. فكما فى عالم كافكا، ليست المشكلة فى الجهل البسيط، بل فى المعرفة الجزئية التى لا تتجمع أبدًا لتشكل صورة كاملة. فى 2026، يعرف الإنسان الكثير عن العالم، لكنه يظل عاجزًا عن تفسير الاتجاه العام له. الحروب لا تبدو منفصلة عن بعضها، والأزمات الاقتصادية لا تبدو مستقلة عن التوترات السياسية، لكن الربط بينها يظل دائمًا غير مكتمل. هذا هو جوهر الحالة الكافكوية الحديثة: نظام موجود، فعال، لكنه غير قابل للفهم الكامل من الداخل.


أما ليبرمان، فيقدم زاوية مختلفة لكنها مكملة. ماكس ليبرمان كان يرسم الحياة اليومية فى حدائق برلين، وفى مشاهد العمال، وفى اللحظات العادية التى تبدو مستقرة. لكن فى لوحاته مثل حديقة بيت ليبرمان، لا نجد فقط جمال الطبيعة أو انسجام المشهد، بل نجد أيضًا إحساسًا بالمسافة بين الإنسان ومحيطه، وكأن هناك عزلة خفيفة تسكن التفاصيل. هذه العزلة ليست درامية أو صاخبة، بل هادئة، تكاد تكون غير مرئية، لكنها حاضرة فى توزيع الضوء، وفى وضعية الأجساد، وفى الصمت البصرى الذى يحيط بالمشهد.
فى عالم 2026، تتجلى «الليبرمانية» فى الحياة اليومية الرقمية والاجتماعية. البشر أكثر اتصالًا من أى وقت مضى، لكن هذا الاتصال لا يلغى الشعور بالعزلة. التواصل يتم عبر وسائط وسيطة، عبر شاشات وخوارزميات، مما يجعل العلاقة بين الإنسان والآخر علاقة غير مباشرة. هناك حضور دائم للآخرين، لكن هذا الحضور لا يترجم بالضرورة إلى قرب حقيقى. وكما فى لوحات ليبرمان، يمكن أن يكون المشهد ممتلئًا بالناس، لكنه يظل مشبعًا بصمت داخلى، وكأن كل فرد يعيش داخل دائرة إدراكه الخاصة حتى وهو وسط الجماعة.
• • •


التقاء كافكا وليبرمان فى قراءة عالم 2026 يظهر بوضوح فى العلاقة بين النظام والتجربة الفردية. كافكا يصف النظام من الداخل بوصفه قوة قاهرة وغامضة، بينما ليبرمان يصف التجربة الإنسانية داخل هذا العالم بوصفها لحظة حسية هادئة لكنها مثقلة بالمعنى غير المعلن. العالم اليوم يجمع بين الاثنين: أنظمة ضخمة معقدة تتحكم فى مسارات الحرب والسلام والاقتصاد والتكنولوجيا، وفى الوقت نفسه أفراد يعيشون حياتهم اليومية فى حالة من التذبذب بين المشاركة والانفصال، بين الفهم الجزئى والعجز عن الفهم الكامل.


الحروب المعاصرة فى 2026، سواء كانت مباشرة أو عبر الوكلاء أو عبر الفضاء السيبرانى، تعزز هذا الإحساس المزدوج. فهى من جهة كافكوية لأنها تحدث ضمن منظومات قرار معقدة، لا يعرف الفرد العادى مركزها الحقيقى أو منطقها النهائى. وهى من جهة ليبرمانية لأنها تنعكس فى الحياة اليومية كخوف صامت، كقلق مستمر، وكإحساس بأن الاستقرار مجرد طبقة سطحية فوق واقع أكثر اضطرابًا. وهكذا يصبح الإنسان فى موقع مزدوج: شاهدًا على نظام لا يفهمه بالكامل، وداخلًا فى حياة يومية تبدو عادية لكنها محاطة بتوتر غير مرئى.


كما أن التحولات التكنولوجية، خصوصًا الذكاء الاصطناعى وأنظمة التحليل الضخمة، تضيف طبقة جديدة من الكافكوية المعاصرة. فالقرارات لم تعد تُتخذ دائمًا من قبل بشر يمكن مساءلتهم، بل عبر خوارزميات تتعلم وتقرر بناءً على بيانات ضخمة. هذا يعمّق الإحساس بأن النظام موجود لكنه بلا وجه واضح، تمامًا كما فى عوالم كافكا حيث السلطة حاضرة لكنها بلا مركز يمكن الوصول إليه. وفى الوقت نفسه، يعمّق الشعور الليبرمانى بالعزلة، لأن التجربة اليومية تصبح أكثر وسيطة، أقل مباشرة، وأكثر اعتمادًا على أدوات تقنية تفصل الإنسان عن التجربة الخام للعالم.


إذا كان كافكا قد كتب عن الإنسان الذى يحاول فهم نظام لا يمكن الوصول إليه، وإذا كان ليبرمان قد رسم الإنسان داخل لحظته اليومية المثقلة بالصمت، فإن عالم 2026 يبدو كأنه امتداد غير مقصود لهاتين الرؤيتين معًا. إنه عالم تتداخل فيه البنية غير المرئية للسلطة مع التجربة الحسية اليومية، بحيث يصبح الفهم نفسه عملية جزئية ومؤقتة. لا أحد يرى الصورة كاملة، لكن الجميع يعيش داخلها.


وهكذا، فإن قراءة العالم اليوم عبر كافكا وليبرمان ليست مجرد تمرين ثقافى، بل هى محاولة لفهم طبيعة العصر: عصر تتكاثر فيه القوانين والمؤسسات والأنظمة وطرق التواصل دون أن تصبح أكثر شفافية، وتتقارب فيه المسافات دون أن تقل فيه العزلة. إنه عالم كافكوى فى بنيته العميقة، وليبرمانى فى سطحه اليومى، وبين الاثنين يعيش الإنسان المعاصر، محاولًا أن يجد معنى فى مساحة تتسع باستمرار بين ما يمكن فهمه وما لا يمكن الوصول إليه.

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة