عندما حوّلنى الذكاء الاصطناعى إلى رجل

الخميس 12 مارس 2026 - 7:10 م

مع دخول الذكاء الاصطناعى إلى حياتنا وتحوّله إلى جزء أساسى من عملنا وعلاقاتنا ويومياتنا، بات يُنتج لنا صورًا مفترضة، أحيانًا مرسومة بقلم الرصاص وأحيانًا كاريكاتورية. إحدى هذه التجارب كانت توليد صورة كرتونية للمستخدم أو المستخدمة بناءً على ما يعرفه التطبيق عنهما.
وكأى شخص يملك فضولًا لفهم ديناميكيات إدراك هذا التطبيق، طرحت السؤال على النحو التالى: «هل يمكنك توليد رسم كاريكاتورى لى فى العمل بناءً على كل ما تعرفه عنى؟».
بعد نحو دقيقة، تشكّلت الصورة أمامى، وكانت الصدمة! اختار الذكاء الاصطناعى أن يصوّرنى على هيئة رجل متقدّم فى العمر بلحية بيضاء، على الرغم من معرفة التطبيق الجيدة بأن المستخدمة أنثى فى الخامسة والثلاثين من عمرها. ومع ذلك، فضّل أن يُظهر كاتبًا رجلًا بشعر أبيض، يجلس خلف طاولة عليها آلة كاتبة ودفتر وقهوة، وخلفه أحد جسور براغ.
امرأة بيدىّ وثياب رجل
على رغم معرفتى المسبقة بالانحيازات المعرفية لأدوات الذكاء الاصطناعى، فإنها لم تظهر فى تجارب توليد صور أخرى. ففى أوامر مختلفة، استخدمت الأداة صورتى كامرأة، لكن حين طلبتُ صورة تتعلق بعملى ككاتبة، انحازت إلى تمثيل رجل. وعلى أى حال، تعرّضت كثيرات من صديقاتى للتجربة ذاتها، إذ حوّلهن الذكاء الاصطناعى إلى رجال.
تؤكد دراسات عدة ذلك: فقد أظهرت دراسة فى الجامعة التقنية فى ميونخ وجامعة دارمشتات أن مولدات الصور لا تعكس التحيزات الجندرية فحسب، بل تضخّمها، وأن اتجاه هذا التشويه يعتمد على اللغة المستخدمة، كما يختلف من لغة إلى أخرى.

الذكاء الاصطناعى لا يفكّر بالعدالة
هكذا أدركتُ أننا، كنساء، أمام معركة أخرى على المستوى الافتراضى، هى امتداد حقيقى للمستوى الواقعى. وكأن معركة واحدة لا تكفى؛ إذ علينا مجادلة أدوات الذكاء الاصطناعى وتلقينها أوامر دقيقة جدًا حول كوننا نساء، كى لا تخطئ فتعيدنا إلى هيئة رجال، لأن ما تختزنه من تاريخ يفترض ضمنًا أن الرجال وحدهم هم المفكرون.
«لكن كيف يمكن تغيير العادة فى أنظمة الذكاء الاصطناعى، وهى تتغذّى على وعى جمعى مشبع بكراهية النساء وتحقيرهن ومنحهن مكانة أدنى من الرجال؟»، سألتُ الذكاء الاصطناعى، فأجاب: «الذكاء الاصطناعى لا يفكّر بالعدالة، فالعادة تُبنى إحصائيًا، لا أخلاقيًا».
ببساطة، الإحصاء هنا مرتبط أساسًا بالعدالة المفقودة على أرض الواقع. فعلى سبيل المثال، لا تنال النساء فى الأبحاث الطبية ما يناله الرجال، إذ تقوم الدراسات فى غالبيتها على افتراض أن الإنسان رجل لا امرأة.
حسنًا، على رغم انحياز الذكاء الاصطناعى ضد النساء، فسّر هذا الانحياز بطريقة سيحاول البشر دومًا الالتفاف عليها. فببساطة ومباشرة: لا وجود لذكاء اصطناعى محايد (حتى الآن)، ولا يمكنه أن يرى البشر على مستوى واحد أو يعاملهم بوصفهم إنسانًا مجردًا، بل هو نظام يحمل تفضيلات تميل غالبًا نحو الرجال البيض. وكما قال: «أى نظام يدّعى الحياد بينما يتغذّى على تاريخ ظالم، هو نظام يعيد إنتاج الظلم بصيغة أنيقة».
الذكاء الاصطناعى ليس سوى امتداد لأيدى البشر وعيونهم وعقولهم، بطريقة أو بأخرى. وهنا لا يتحول إلى أداة أكثر ذكاء، بل إلى أداة أخرى تمارس التحيّز نفسه ضد النساء.

الشك فعل نسوى
على رغم هذه السوداوية كلها، ثمة جانب إيجابى برز بعدما سألته: «كيف يمكن تغيير العادة فى أنظمة الذكاء الاصطناعى، وهى تتغذّى على وعى جمعى مشبع بكراهية النساء وتحقيرهن ومنحهن مكانة أدنى من الرجال؟».
باختصار، الانحياز فى هذه الأنظمة ليس قرارًا واعيًا، بل احتمال أعلى. فالنظام ذاته لا يكره النساء، بل لأن أرشيفه البصرى يجعل صور الرجال تظهر أكثر وتُكافأ أكثر فى البيانات. لذلك، لا يكمن قرار التغيير فى الذكاء الاصطناعى فقط فى امتلاك وعى نسوى، بل فى تلقين هذا الوعى للنظام نفسه، أى أن نطلب منه كسر الافتراضات الذكورية، أو كما صاغها: «إدخال الشك كقيمة خوارزمية». فالشك هنا: «فعل نسوى». وهذا ما فعلته باعتراضى على الصورة ومجادلته، وهو ما وصفه ببيانات تصحيحية حيّة.
وينطبق ذلك على مستوى أعلى، أى العاملين فى مجال الذكاء الاصطناعى، من خلال زيادة عدد النساء والفئات العرقية والجندرية الأخرى فى هذا المجال. وكان تقرير للأمم المتحدة قد دعا إلى إشراك النساء أكثر فى مجال الذكاء الاصطناعى، إذ لا تشكّل النساء سوى 22 فى المائة من العاملين والعاملات فى هذا المجال، وتنخفض النسبة إلى أقل من 14 فى المائة فى المناصب القيادية.
ولا يعنى ذلك أن الرجال يتعمّدون جعل الذكاء الاصطناعى أقل تمثيلًا أو أن النساء بطبيعتهن أكثر حساسية للجندر، لكن زيادة تنوّع العاملين والعاملات فى هذا المجال تجعل التحيزات أكثر قابلية للاكتشاف والنقد، وبالتالى أكثر قابلية للمعالجة والتصحيح.

مناهل السهوى
موقع درج
النص الأصلى:

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة