من صراع الحضارات إلى صراع المصالح.. قراءة فى الحرب الجديدة فى المنطقة
الخميس 12 مارس 2026 - 7:08 م
إن الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، واتساعها لتشمل أطرافًا إضافية فى المنطقة العربية تبدو مربكة إلى حد كبير. ليس فقط بسبب خطورتها العسكرية، بل لأن فهمها الفكرى والسياسى نفسه أصبح ساحة صراع متعدد المستويات. فحين تدور المعارك على الأرض بين دول تُنسب عادةً إلى «الغرب» وأخرى تُصنف ضمن «الشرق»، فإن الصراع على مستوى التفسير والتحليل لا يقل تعقيدًا عن الصراع العسكرى نفسه، وتتزاحم فيه نظريات وخطابات مختلفة. قد يبدو النقاش حول طبيعة الحرب ترفًا نظريًا، لكن الحقيقة أن فهم طبيعة الصراع هو الخطوة الأولى لتحديد الموقف منه، وبالتالى تحديد الخطاب السياسى والأخلاقى الذى نتبناه. ولهذا يصبح السؤال الأول الذى يفرض نفسه: ما طبيعة هذه الحرب؟
عند محاولة الإجابة عن هذا السؤال سنجد أنفسنا، للوهلة الأولى، أمام إغراء تفسيرها ضمن إطار ثقافى أو حضارى، وهو الإطار الذى روج له صموئيل هنتنجتون فى تسعينيات القرن الماضى بعد سقوط الاتحاد السوفييتى حول «صراع الحضارات». فمن السهل أن يجد هذا التفسير ما يغذيه فى المشهد الراهن: طبيعة النظام السياسى فى إيران الذى يدمج الدين فى بنية الدولة، وطبيعة إسرائيل التى تعرّف نفسها بوصفها دولة يهودية، فضلًا عن المظاهر الدينية المصاحبة للحرب فى الولايات المتحدة، مثل الخطاب الذى يربط الصراع بنبوءات دينية عن «حرب آخر الزمان»، أو مشاهد الصلاة العلنية من أجل الرئيس الأمريكى داخل البيت الأبيض، وهى ممارسات تعكس حضورًا قويًا للرموز الدينية فى الخطاب السياسى للحرب.
كل هذه العناصر تبدو، فى ظاهرها، وكأنها تؤكد أن الصراع يدور بين هويات حضارية أو دينية. لكن التوقف قليلًا عند الأسباب الفعلية للصراع يقودنا إلى صورة مختلفة تمامًا. فحين ننتقل من مستوى الرموز والخطابات إلى مستوى السياسة والاستراتيجية، سنجد أنفسنا أمام مجموعة من المصالح يدور حولها الصراع.
• •
ففى كثير من التحليلات لا يُنظر إلى التصعيد مع إيران بوصفه صراعًا إقليميًا معزولًا، بل كجزء من محاولة أوسع للحفاظ على الهيمنة الأمريكية فى المنطقة العربية. فالدعم الأمريكى للعمليات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية، وكذلك الضغوط السياسية والعسكرية على طهران، يُفهم ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية التى تهدف إلى منع ظهور قوة إقليمية قادرة على إعادة ضبط موازين القوى فى المنطقة. فإيران، بحضورها السياسى والعسكرى فى أكثر من ساحة، تُعد فى نظرهم منافسًا جيوسياسيًا يجب القضاء عليه، واستكمال اخضاع المنطقة للهيمنة الصهيونية، أو كما اسماها عمرو موسى وزير الخارجية المصرى السابق «عربدة إسرائيلية مدعومة».
كما يرتبط هذا الصراع بشبكة التحالفات التى بنتها الولايات المتحدة فى المنطقة العربية على مدى عقود، وعلى رأسها العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل. فالعمليات العسكرية والسياسية لا تُقرأ فقط باعتبارها دفاعًا عن حليف، بل باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى تثبيت الترتيبات الإقليمية التى تضمن استمرار النفوذ الأمريكى فى المنطقة، وتمنع أى قوة إقليمية من كسره.
ولا يمكن فصل ذلك عن البعد الاقتصادى التاريخى المرتبط بالطاقة. فالمنطقة العربية ما تزال أحد أهم مراكز إنتاج النفط والغاز فى العالم، والتحكم فى طرق الطاقة وممراتها يمنح نفوذًا استراتيجيًا كبيرًا فى النظام الدولى. ولهذا ترى بعض التحليلات أن الصراع مع إيران يرتبط أيضًا بإدارة التوازنات فى سوق الطاقة العالمى ومنع أى قوة إقليمية من امتلاك القدرة على التأثير الحاسم فى هذه الموارد.
هذه القراءة لا تقف عند حدود المنطقة العربية، بل تربط الصراع أيضًا بالتنافس العالمى الأوسع، خاصة مع صعود الصين. فاستمرار الهيمنة الأمريكية على الخليج وممرات الطاقة يمنح واشنطن قدرة غير مباشرة على التأثير فى اقتصاد الصين، أكبر مستورد للطاقة فى العالم، كما أن إبقاء المنطقة ضمن دائرة النفوذ الغربى يحد من قدرة بكين على توسيع حضورها الاقتصادى عبر طرق التجارة الجديدة. بهذا المعنى، يُفهم التصعيد فى المنطقة ضمن صراع أوسع على النفوذ العالمى، حيث تصبح المنطقة العربية إحدى العقد الرئيسية فى المنافسة بين القوة المهيمنة والقوى الصاعدة فى النظام الدولى.
* • •
حين ننظر إلى هذه الأسباب مجتمعة، يصبح من الصعب جدًا تفسير الحرب باعتبارها مجرد صراع ثقافى أو حضارى. فالتحالفات التى تتشكل حول الحرب، وكذلك الأهداف العسكرية التى تُستهدف خلالها، لا تتوافق فى الحقيقة مع خريطة «صراع الحضارات» التى رسمها هنتنجتون. بل إن هذه التحالفات تبدو أقرب بكثير إلى منطق المصالح الإمبريالية الذى وصفه لينين فى تحليله للرأسمالية العالمية.
فى هذا التحليل، لا تتحرك الدول الكبرى بدافع الهوية الثقافية أو الدينية، بل بدافع مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية. هذا الفهم مهم للغاية بالنسبة لمنطقتنا. لأنه يحمى الموقف السياسى من الوقوع فى فخ الاصطفاف العاطفى أو الطائفى. فالموقف من هذه الحرب لا ينبغى أن يُبنى على أساس الدين أو العرق أو خطاب الحقد أو الانتقام، بل على أساس المصلحة الوطنية والإقليمية بمعنى ما الذى يخدم مصالح شعوبنا فى هذه اللحظة التاريخية؟
استراتيجيا ودون الدخول فى تفاصيل أول مصالحنا هو تجنب تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة بين القوى الكبرى. فالتاريخ الحديث للمنطقة العربية يُظهر أن الحروب التى تُدار فيه غالبًا ما تكون بالوكالة أو بالنيابة عن صراعات دولية أوسع، بينما تتحمل شعوب المنطقة كلفة الدمار وعدم الاستقرار. ولذلك فإن المصلحة العربية الأساسية تظل فى منع توسع الحرب، ورفض تحويل الإقليم إلى مسرح دائم لتصفية الحسابات بين القوى الدولية. المصلحة الثانية تتعلق بـ الحفاظ على سيادة الدول وثرواتها واستقرارها. فكل جولة جديدة من الصراع الإقليمى تؤدى إلى إضعاف الدول الوطنية، ومزيد من الاستغلال وتفتح المجال لمزيد من التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية. ومن هنا يصبح الدفاع عن استقلال القرار السياسى للدول العربية، ورفض تحويلها إلى أدوات فى صراعات الآخرين، جزءًا أساسيًا من حماية مصالح المنطقة، خاصة بعد أن تأكد أن حماية القواعد العسكرية الأمريكية للدول المتواجدة بها هو مجرد وهم. أما فى ما يتعلق بفلسطين، فالمصلحة العربية واضحة ومباشرة: إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الأساسية للشعب الفلسطينى، بإنهاء نظام الاحتلال والاستيطان الذى يخالف مبادئ القانون الدولى. الدفاع عن فلسطين فى هذا السياق يعنى التمسك بالحقوق الفلسطينية بوصفها جزءًا من معركة أوسع من أجل العدالة والتحرر.
* • •
هنا يصبح من الضرورى التمسك بالأدوات التى يمكن أن تحمى هذه المصالح، ويظل القانون الدولى أحد أهم هذه الأدوات. صحيح أن تطبيقه يعانى من اختلالات وأن النظام الدولى نفسه غير عادل فى كثير من الأحيان، لكن هدمه لن يؤدى إلى عالم أكثر عدلًا بل إلى عالم تحكمه القوة المجردة. أو كما أشار عمرو موسى فى تغريدته السابق الإشارة لها، فإن الخطر هو التوجه الأمريكى نحو نظام «يبادر بإلغاء القانون الدولى بالكامل» وهو نظام «تتلاعب فيه إسرائيل بمقدرات المنطقة العربية».
كذلك الآليات والمؤسسات الدولية متعددة الأطراف، رغم ما تعانيه من خلل فى موازين القوى داخلها، ما تزال توفر إطارًا يمكن للدول الأضعف أن تتحرك من خلاله. لذلك ليس من الحكمة مقاطعتها أو التعامل معها باعتبارها بلا قيمة. وإعانة ترامب فى مخططه لهدم هذه المؤسسات أو تهميشها، بل المطلوب هو الاشتباك معها والعمل داخلها لتعديل موازين القوى التى تحكمها.
أما المنظمات الحقوقية الدولية، رغم ما يوجه إليها من انتقادات بشأن ازدواجية المعايير، تظل ساحة مهمة للدفاع عن قضايا المنطقة. المطلوب هو الضغط من خلالها لإبراز قضايانا وتعديل مواقفها المرتبكة، لا السخرية منها أو المشاركة فى تشويهها. نحن من يجب أن يرفع راية حقوق الإنسان ويستخدم هذه المنابر للدفاع عن حقوق شعوبنا.
وأخيرا التأكيد على أن لنا فى كل العالم بما فيه الغرب حلفاء يتمثلوا بالأساس فى الرأى العام المتضامن مع قضايانا من بعد زلزال السابع من أكتوبر وهو ما يجب أن نستثمره ونبنى عليه، لا أن نهدره تحت شعرات هوياتية ومزاعم ليس لها علاقة بحياة الناس ومصائرهم.
فحين تسقط كل هذه الأدوات، لن يكون البديل عالمًا أكثر حرية، بل عالمًا تحكمه القوة العسكرية وحدها. وفى مثل هذا العالم سيكون الجنوب كله أكثر عرضة للتحول إلى مجرد ساحة صراع بين القوى الكبرى. لهذا السبب، فإن التمسك بهذه الآليات والدفاع عنها ليس موقفًا مثاليًا أو أخلاقيًا مجردًا، بل موقف واقعى يخدم مصالحنا. لأنها، مهما كان نواقصها، تظل أداة يمكن استخدامها للدفاع عن الحقوق، بينما غيابه الكامل يعنى أن ميزان القوة وحده هو الذى يحدد كل شىء ونحن فى ذلك السياق الطرف الأضعف.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا