x قد يعجبك أيضا

أكلة سمك

الخميس 12 مارس 2026 - 7:00 م

عشتُ فى بيت أسرتى وتزوجتُ وفتحتُ بيتا خاصا بى وأنا أحتفظ بعبارة «فى رمضان مافيش سمك»، وكانت كمثل الحلق فى أذنى. وبالتالى فما من يوم ظهر فيه السمك مشويا أو مقليا أو فى طاجن على مائدة إفطارنا، ومن باب أولى على مائدة السحور. وحتى عندما كنّا نزهد آخر الشهر الكريم فى كل أنواع الطعام بسبب موائدنا العامرة وولائم أقاربنا الكريمة ونريد التغيير، فإننا كنّا ومازلنا نفكر فى أى شئ وكل شئ إلا السمك، ومَن تربّى على الشئ شاب عليه. هذا النفور من السمك فى رمضان يكاد يرقى إلى مستوى التحريم، وبعض العادات الاجتماعية بالفعل يكون أكثر تأثيرا من النصوص الدينية. أما تفسير هذا النفور العجيب فأظن أننى قرأت زمان أنه يرتبط بملوحة السمك، وهذا هو أبعد تفسير ممكن عن المنطق فموائدنا الرمضانية لا تكاد تخلو من المخللات كفواتح للشهية، وفيها بالتأكيد نسبة من الملح المركّز أكثر بكثير من السمك. أتفهّم تماما أن المناسبات الاجتماعية تفرض طقوسها وأكلاتها وربما حتى أزياءها على الناس، لكن هناك درجة عالية من الجمود فى علاقة السمك برمضان بعكس المرونة النسبية فى علاقة الفسيخ بشم النسيم والسمسمية بالمولد النبوى الشريف والقلقاس بعيد الغطاس، صحيح أننا قليلا ما نفكر فى تناوُل هذه الأشياء فى غير مواعيدها الأصلية لكننا منفتحون بشكل عام على نتناولها من حين لآخر وبالذات القلقاس، أما السمك فلا. ومهما طال التغيير بعضا من ثوابتنا الغذائية، فإننا نتمسّك بمقاطعة السمك فى رمضان. أما نماذج التغيير فى الثوابت الغذائية، فمنها على سبيل المثال ما كنا اعتدنا عليه من مقاطعة الآيس كريم فى فصل الشتاء طلبا للدفا والدفا عفا- ثم فاجأنا المطرب المجدّد عمرو دياب بفيلمه "آيس كريم فى ديسمبر" وبأن أبطال الفيلم تناولوا الآيس كريم عادى جدا فى عزّ البرد. وربما كان ذلك من أسباب إغرائنا بأن نجرّب فكرته، وعندما جرّبناها أعجبتنا. والآن باتت تورتة الآيس كريم من أشهى أنواع الحلوى بعد الإفطار الرمضانى الدسم حتى ترطّب على القلب.. لكن كله إلا السمك.
• • •
فى هذه المدينة البعييييدة التى تقع فى نصف الكرة الشمالى، فكرّت أسرة ابنتى فى تناوُل الإفطار فى أحد المطاعم اللبنانية المنتشرة على نطاق واسع. فى الحقيقة ليست المطاعم اللبنانية هى وحدها الموجودة فى هذه المدينة التى غيرّت لون بشرتها فى العقدين الأخيرين من الأبيض الناصع إلى درجات مختلفة من البنى والأسود والأصفر، ولهذا أسباب كثيرة ليست موضوعنا. المهم -قمنا بالحجز عن طريق الهاتف ليوم محدّد وسط الأسبوع، لكن كما هى عادة المطاعم خلال هذا الشهر الفضيل توجد قائمة طعام موحّدة تسهيلا للخدمة، لكن القائمة تتغيّر باستمرار من يوم لآخر. تصادف أنّ قائمة اليوم الذى اتفقنا عليه لم تحصل على أغلبية الأصوات، فالذى كان يروقه حساء العدس اعترض على لحم الضأن، والذى كان يتحمّس لمشروب الجلّاب اختلف مع مَن يفضّل مشروب قمر الدين، وهكذا. اقترحَت الحفيدة أن نتناول إفطارنا فى مطعم صينى لديه بوفيه مفتوح يقدّم جميع أنواع المأكولات البحرية اللذيذة.. وفاجأ اقتراحها ثلاثتنا ابنتى وزوجها وأنا وبدأنا نتلجلج ..س ..س ..سمك لأ. وببراءة شديدة طرحَت الحفيدة علينا السؤال الصعب التالي: ليه لأ؟ تبادلنا النظرات وكأننا نقول بيننا وبين أنفسنا: أفّ لجيل زد الذى يريد أن يفهم كل شئ ويتمرد على كل شئ. قررتُ أن آخذ بزمام المبادرة وقطعتُ لحظات الصمت بإجابة لم أكن أصلا مقتنعة بها وهي: مافيش سمك فى رمضان. ولأن هذه الإجابة بالفعل ليست إجابة، أعادت حفيدتى طرح نفس السؤال: ليه ما فيش؟. هل معقول أن نقول لها إن أكل السمك فى رمضان يحطم الثوابت ويخرج على التقاليد الغذائية التى ورثها أبواهما ذات نفسيهما لأنهما هاجرا بعدما نضج الوعى وتكوّنت الشخصية واستقر فى الإدراك أننا لا نأكل السمك فى رمضان؟ لا لا لم يكن معقولا لأن هذه الإجابة كانت كفيلة بأن تدخلنا فى حوار لا طائل منه لن يقنعها ولن يثنينا. قررنا أن نجرّب تنفيذ اقتراحها لنفحمها بأنّ الحكمة تكمن فى احترام بعض التقاليد حتى وإن كانت غير مبررة، وستكتشف بنفسها أن السمك ليس طعاما مناسبا لرمضان. وهكذا ذهبنا إلى المطعم الصينى.
• • •
تذكَرت ذلك الموقف الطريف من فيلم "عودة أخطر رجل فى العالم" لفنان الكوميديا العبقرى فؤاد المهندس، والذى لم يفقد للحظة واحدة قدرته على إضحاك جمهوره. ففى هذا المشهد ذهب فؤاد المهندس أو مفتاح الموظف فى إحدى شركات التأمين ليقنع المهراچا الهندى الذى كان يزور مصر بالتأمين على جوهرته الثمينة النادرة. وقبل أن يتم اللقاء كان مفتاح قد استعد تماما له بالتعرّف على بعض مكوّنات الثقافة الهندية حتى يفتح بابا للحوار مع المهراچا ويكسب ثقته ويقتنص التعاقد معه من الشركات المنافسة، وكانت كثيرة. دخل مفتاح على المهراچا ليخبره إنه أكل مانجا هندى وشرب تمر هندى وأخذ دشّا فى حمام هندى، أى أنه لم يترك أى شئ يتعلق بالهند كان فى متناوله أن يفعله إلا وفعله. وهذا بالضبط كان هو حال البوفيه الصينى المفتوح. الحساء والمقبّلات والأطعمة الرئيسية كلها كلها من البحر ومطهية بكل الطرق الممكنة، بحيث يبدو أن الشعار الشائع فى بعض مطاعم السمك "إذا كان يسبح فنحن نقدمه لك"- ينطبق عليه. أشكال وألوان أكثرها لا أعرفه وسبحان الله الذى سخّر البحر لنأكل منه لحما طريا. فى ركن محترم كان يوجد سوشى، أو فسيخ القرن الحادى والعشرين كما أسميه. بحثتُ عن السمك البورتوفينو الذى كتبتُ عنه ذات يوم ولم أكن سمعت به من قبل، وهو عبارة عن سمك بالجمبرى فلم أجده، وعندما طلب منّا المطعم تقييما لمستوى الطعام والخدمة كتبتُ من باب الفزلكة إن كل شئ تمام وأتطلع فى المرة القادمة لأن يكون هناك سمك البورتوفينو..هل يعرفونه أصلا؟
• • •
لم يكن فى المطعم الصينى وجه واحد يوحى بأنه من منطقة الشرق الأوسط على الرغم من وجود الكثير من الجنسيات الأخرى. عزّزت هذه الملاحظة انطباعى بأن مقاطعة السمك فى رمضان ليست عادة مصرية صميمة بل الأرجح أنها عادة منتشرة فى عدة دول شرق أوسطية. ومع انطلاق الآذان المسجّل على الموبايل، بدأنا فى تناوُل حساء فواكه البحر. شعرتُ بالتوجّس من عواقب تحدّى الثوابت الغذائية مع أول رشفة من الحساء وأظنه كان إحساس ابنتى وزوجها أيضا. لكن الذى حدث هو أننا تلذذنا جميعا بمذاق الحساء الشهى دون أى مشاكل، إنها إذن بداية ربما تكون مبشّرة، "وربما" هنا مهمة لأنها تتحسّب لما هو قادم وتفتح الباب على كل الاحتمالات. انتقَلنا لملء الطبق الرئيسى ووقفنا فى طابور طويل لكنه شديد الانتظام، وكما هو متوقّع كان ركن السوشى يجتذب جيل حفيدتى والجيل الأكبر منه، أما على المستوى الشخصى فإنه لا يوجد عَمَار بينى وبين السوشى، ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع. اندمجنا فى الحديث على المائدة، وأخذ كلُ منا يقترح على الآخرين تجربة هذا الصنف أو ذاك من المأكولات البحرية. لم ننتبه إلى أننا عدنا للوقوف فى نفس الطابور الطويل مرة أخرى للاستزادة من بعض الأنواع وتذوّق البعض الآخر منها، وفى الحقيقة لم تكن هناك حاجة لمثل هذا الانتباه، فالمثل الشعبى يقول: ساعة البطون تتوه العقول.
• • •
سجّلت الحفيدة نقطة فى مرمانا نحن الثلاثة الكبار فلقد كنّا نريد إفحامها بوجهة نظرنا غير المبرّرة، فإذا بها هى التى تقنعنا بأقصر الطرق وأبسطها على الإطلاق. مرّ اليوم بسلام، وصمنا اليوم التالى والحمد الله دون أى مشاكل. قادتنا العفريتة الصغيرة من جيل زد إلى تغيير واحدة من ثوابتنا الغذائية الراسخة بعد أن عرفنا على رأى أهلنا فى الشام أن السمك ما إلو علاقة برمضان بالمرّة. كل عام وأنتم جميعا بخير.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة