فوجئنا مؤخرًا بصدور بيان من وزارة الداخلية بشأن "كشف ملابسات" انتشار لافتات تحمل عبارة "الفن مش رسالة" ضمن حملة إعلانية لمركز لطب الأسنان بالإسكندرية كانت ستتغير لاحقًا بعبارة "الفن عيادة". ضاق البعض بالعبارة، وأرجع البيان التدخل الأمني إلى "ردود فعل سلبية بأوساط رواد مواقع التواصل الاجتماعي".
تبذل الداخلية جهدًا كبيرًا في متابعة ورصد مقاطع الفيديو والصور والبلاغات والشهادات المكتوبة التي ينشرها المتضررون عبر صفحات التواصل، وتتسم تحركاتها بالإنجاز في ضبط الجناة وكشف تفاصيل الوقائع في مرحلة مبكرة، كما حدث في واقعة الاعتداء على فرد أمن بكومباوند بالقاهرة الجديدة، والاعتداء على شخص ونجله في باسوس بالقليوبية، وقبلها الاعتداء الجماعي على شاب وإهانته علنًا في الطريق العام بميت عاصم ببنها بالقليوبية، والتحرش بفتاة في أتوبيس.
التحرك الأمني السريع في كل تلك الحالات، على أرض الواقع وعبر الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، كان إيجابيًا تمامًا بمساهمته في تحريك التحقيقات والدعاوى الجنائية –حسب الأحوال- بصورة عاجلة، فضلًا عن إجهاض شائعات قد تنال من بعض الأطراف وبخاصة المجني عليهم لتضليل الرأي العام.
لكن دخول الأمن على الخط في حملة "الفن مش رسالة" لم يكن متناسبًا مع طبيعة المشكلة –إذا اعتبرناها مشكلة من الأساس- ولا مع الإجراءات القانونية الوارد اتخاذها في مسألة لا تتجاوز كونها حملة دعائية لم ترُق للبعض، تختلف حولها الأذواق، ولا تتضمن تعريضًا بأي شخص أو هجومًا على فئة أو رمز أو تمييزًا أو تحريضًا، مما يثير تساؤلات حول ملاءمة التدخل الأمني في الموضوع فقط لأنه أثار جدلًا، إلى حد نشر صورة صاحب المركز الطبي (المعلن) وصاحب شركة الدعاية (القائم على الحملة الإعلانية) بنفس الهيئة التي يظهر بها عتاة الإجرام والبلطجية ومتهمي الآداب!
إن عبارة "الفن مش رسالة" -على سطحيتها وسُخف استخدامها في دعاية طبية- لا تمثل أي خرق لمبادئ الدستور أو العرف المجتمعي. ولم تظهر للمرة الأولى في هذه الحملة الدعائية، بل تتردد مرارًا وتكرارًا. وبعيدًا عن الجدل الفلسفي، يرى البعض أن "الالتزام الفني" محض وهم، وأن الإبداع الفني حرفة بهدف التسلية والإمتاع وكسب العيش، ويعتبره آخرون وسيلة تعبيرية ذاتية لا يُشترط فيها العمق أو الأبعاد الرسالية. ولا مجال أيضًا لنسبة العبارة إلى تيار متطرف خاصة بعد معرفة السياق.
وكم من عبارات وإعلانات أكثر سخفًا وتفاهة من "الفن مش رسالة" تنتشر في شوارع مصر سعيًا لإثارة الجدل وانتزاع الشهرة، وتتعرض للنقد عبر مواقع التواصل، وينعكس الرد الجماهيري في نجاح مؤقت للحملة أو فشلها والعزوف عن السلع والخدمات محل الإعلان، وهذا أمر طبيعي في عالم التسويق الذي لا يخلو من الإبهار والاستفزاز والتجريب وبناء الرسائل على رجع الصدى Feedback وقياس تأثُر المتلقي.
أي أن المسألة يجب أن تبقى في الفضاء المجتمعي العام، تدور بين مقدم الرسالة الإعلامية/الإعلانية والجمهور المستهدف، دون تدخل حكومي أو أمني، طالما خلت الحملة الدعائية من الجرائم المحددة حصرًا في الدستور وهي التحريض على العنف والتمييز بين المواطنين والطعن في أعراض الأفراد، أو في القوانين المنظمة كالنصب والتلاعب والتدليس. هنا يجب بالفعل أن تتدخل الدولة لحماية المستهلك.
ثم لدينا قانون صدر منذ 6 سنوات فقط لتنظيم الإعلانات على الطرق العامة (رقم 208 لسنة 2020) وصدرت لائحته التنفيذية عام 2022 وأُنشأ على أساسه جهاز قومي يتولى عملية التنظيم. وتعكس مواده اتجاه المشرع إلى إدارة هذا الملف بصورة حكومية مدنية وليست أمنية، فالجهة المختصة بتطبيق أحكامه على الأرض هي الوحدات المحلية وأجهزة المدن والهيئة العامة للطرق والكباري أو الجهات صاحبة الولاية على موقع الإعلان.
ويرسم هذا القانون إجراءات محددة لترخيص وضع الإعلانات والرسوم المستحقة عليها، كما تحدد لائحته التنفيذية طريقة التعامل مع المخالفات وتحرير المحاضر ومتابعتها حتى صدور حكم قضائي بإزالة الإعلان أو اللافتة المخالفة خلال مدة معينة وإلّا فيجوز للجهة المختصة تنفيذ الإزالة ورد الشيء لأصله على نفقة المخالف.
وعلى ضوء أهداف الجهاز القومي وفق قرار إنشائه نجد من شروط إعلانات الطرق: الحفاظ على النسق العمراني، وتحقيق القيم الجمالية، ومراعاة النظام العام والآداب. وأعتقد أن إعلان عيادة الأسنان لم يتجاوز تلك الأسس، والخلاف حوله لا يبارح دائرة حرية الرأي والاعتقاد والتفضيلات الشخصية.
أما التأكيد على أن "الفن رسالة" والدفاع عن "رسالة الفن" فهو عمل فكري لا يتطلب تدخلًا أمنيًا من أي نوع.