لبنان.. وكيان «المهمات القذرة»!

الجمعة 10 أبريل 2026 - 10:45 م

لم يكن اعتراف المستشار الألمانى فريدريتش ميرتس فى منتصف شهر يونيو من العام الماضى، بأن «إسرائيل تقوم بالمهمات القذرة فى إيران نيابة عن الغرب كله»، مجرد «زلة لسان» أو خطأ عفوى غير مقصود، بل كان توصيفا حقيقيا ودقيقا لطبيعة الدور الوظيفى للكيان الصهيونى فى المنطقة منذ أن تم زرعه على الأرض العربية قبل نحو 80 عاما.
اعتراف ميرتس الذى جاء خلال حرب الاثنى عشر يوما التى شنتها إسرائيل على إيران فى العام الماضى، وكررتها مؤخرا بالتعاون مع الولايات المتحدة قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، يفسر بشكل واضح سر همجية ووحشية العدوان الإسرائيلى الذى تعرض له لبنان منذ فجر الثلاثاء الماضى، وأدى إلى سقوط مئات الشهداء والمصابين فضلا عن تدمير العشرات من العمارات السكنية المكتظة فى بيروت، والتى لم يُنذر قاطنوها بالإخلاء قبل قصفها!
يعتقد البعض أن العدوان الإسرائيلى ضد لبنان يستهدف إحراج إيران، ودفعها دفعا إلى الانسحاب من مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار التى تستضيفها العاصمة الباكستانية، اليوم السبت، انتصارًا ووفاءً لحزب الله اللبنانى الذى وقف معها بقوة خلال الحرب الأمريكية على أراضيها عبر إشعال جبهة الجنوب اللبنانى ضد إسرائيل، لكن هذا الأمر ليس فى محله تماما، إذ أن الهدف الأهم من وراء هذا التوحش الإسرائيلى غير المسبوق، يتمثل فى استخدام لبنان والدماء التى تسال على أراضيه بغزارة كورقة للمساومة والابتزاز والضغط على المفاوض الإيرانى لتقديم تنازلات أكثر وأكبر وأعمق فى مفاوضات إسلام آباد.
ليس هذا فقط، بل العمل على تغيير الصورة التى بدأت تتشكل وتترسخ فى الوعى الجمعى للشعوب العربية والإسلامية، بأنه يمكن من خلال الصمود والإرادة القوية مواجهة العدوان والصلف والاستعلاء وغرور القوة الفتاكة الذى تتباهى به الولايات المتحدة وإسرائيل، واللتان لم تتمكنا من كسر إرادة الصمود لدى إيران أو الحصول على صورة انتصار، رغم حجم التدمير الهائل الذى تعرضت له على مدى أربعين يوما، بل إن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى استخدم كل أنواع التهديد بالجحيم وتدمير ومحو حضاراتها فى ساعات معدودة، هو من سعى لطلب وقف إطلاق النار، مثلما ذكرت تقارير صحفية غربية.
فوفقا لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية فإنه «على مدار أسابيع، كانت إدارة ترامب تضغط على إسلام آباد لإقناع الإيرانيين بالموافقة على وقف القتال مقابل إعادة فتح مضيق هرمز»، مشيرة إلى أن «ترامب الذى كان قلقا من ارتفاع أسعار النفط ومتفاجئا من صمود النظام الإيرانى، سعى إلى التوصل لوقف إطلاق النار منذ تهديده فى 21 مارس الماضى بتدمير محطات الطاقة الإيرانية».
وأضافت الصحيفة نقلًا عن أشخاص مطلعين على المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران أن دور باكستان الحيوى تمثل فى «تسويق» هذا العرض لطهران، موضحة أن الولايات المتحدة وباكستان اعتقدتا أن إيران ستكون أكثر ميلا وقبولا للعرض المدعوم أمريكيا إذا قُدّم من دولة جارة مسلمة أكدت حيادها طوال الصراع.
هذا التحدى والصمود والثبات الإيرانى فى وجه أعظم قوة كونية فتاكة فى الوقت الحاضر، لم يرد له التحول إلى حالة ملهمة لشعوب المنطقة التى تعيش منذ عقود فى نكبات وهزائم وإحباطات متتالية، وبالتالى كان لا بد من القيام سريعا بعملية «كى وعى» عنيفة تعيدهم إلى مربع القهر والشعور بالعجز وقلة الحيلة والتعايش مجددا مع منظر الدم والتدمير والمذابح والإبادة الجماعية والتجويع مثلما حدث فى غزة على مدى عامين، ومن أقدر على القيام بهذه المهمة القذرة سوى الكيان الصهيونى، الذى يمثل قاعدة عسكرية متقدمة للغرب تحمى أطماعه ومصالحه الاقتصادية فى هذه المنطقة من العالم؟
إذن من الخطأ البالغ التعامل مع العدوان الصهيونى ضد لبنان على أنه مجرد مواجهة متجددة وممتدة ومستمرة بين محورين متصادمين على الأرض العربية، بل يجب النظر إليه من منظور أوسع على أنه حلقة جديدة فى سلسلة الدم والتدمير والإبادة الجماعية التى تستهدف إدخال المنطقة «بيت الطاعة» الإسرائيلى، وبالتالى لا بد من نضوج موقف عربى موحد وقوى يتجاوز فضاء بيانات الإدانة إلى رسائل واضحة ترفض التعايش أو القبول أو الاستسلام لمنطق القوة الصهيونى باعتباره «أمرًا مقضيًا» أو قدرا لا مفر منه، لاسيما وأن جنون وأطماع وأوهام الكيان لا حدود لها فى المنطقة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة