ربما لا يعرف الكثيرون أن أول حرب فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفى زمن ما نصفه بـ«الحرب الباردة»، وأُطلق عليها تعبير ووصف «الحرب الإلكترونية» من جانب المتخصصين، كانت الحرب التى شنتها مصر وسوريا بشكل مشترك فى السادس من أكتوبر عام 1973 بهدف تحرير الأراضى العربية التى تم احتلالها من قبل إسرائيل فى حرب الأيام الستة فى يونيو 1967. باغت الطرفان العربيان فى الحرب إسرائيل بتوظيف الإلكترونيات لخدمة عملياتهما الحربية، إلا أن إسرائيل سرعان ما سعت إلى التوظيف نفسه، بدعم من تقدمها فى البنية التحتية العلمية والتكنولوجية من جهة، وبدعم مباشر ومكثف وسريع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية فى ذلك الوقت وما بعده من جهة أخرى.
وبعد أقل من عقدين من الزمان على حرب أكتوبر 1973، جاءت قفزة نوعية جديدة شاهدها العالم بأسره، وتمثلت فى تزايد تأثير التكنولوجيا المتقدمة ومنتجاتها وأدواتها فى الحروب، وتعاظم توظيفها فيها، وأيضًا دورها فى تغطية هذه الحروب من قبل وسائل الإعلام، خاصة فى تلك الفترة من قبل الشبكات الإعلامية فى البلدان الغربية المتقدمة، وكان فى مقدمتها آنذاك شبكة «سى. إن. إن» الأمريكية. وفى هذه المرة، مرة أخرى، حدثت الحرب فى منطقة الشرق الأوسط، وتمثلت تحديدًا فى حرب تحرير الكويت فى فبراير 1991 من قبل التحالف الدولى والعربى، بعد أن كانت قد وقعت تحت احتلال العراق عقب غزوها فى 2 أغسطس 1990.
وجاءت المحطة التالية فى إبراز دلالات وانعكاسات، وربما أيضًا حسابات وتقديرات مخاطر، للتحول النوعى لتأثير التكنولوجيا المتقدمة ومعطياتها على الحروب ودورها فيها، عبر حربين كان الفارق بينهما أقل من عامين، كما أنهما تم شنهما لأسباب بها قدر من التشابه ولدوافع متقاربة من قبل الطرف الذى شن الحربين. وأعنى هنا الغزو الأمريكى لأفغانستان فى أكتوبر 2001 بعد أسابيع قليلة من هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأمريكية، وما تبعه بعام وعدة شهور من غزو أمريكى للعراق فى ربيع عام 2003. ومرة ثالثة حدثت هذه الحروب فى نفس المنطقة التى جرت فيها الحروب السابقة، أى منطقة الشرق الأوسط.
أما العقد الحالى، أى العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين، فقد كان بلا شك، وحتى الآن، هو الأكثر كثافةً كمًا وكيفًا فيما يتعلق بتضاعف دور وتأثير التقدم التكنولوجى وأدواته ومنتجاته فى الحروب. ونتحدث فى العقد الحالى تحديدًا عن أربع حروب، بدأت بالحرب الروسية/الأوكرانية فى عام 2022 والمستمرة حتى الآن، ثم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتفريعاتها من قبل إسرائيل فى لبنان واليمن والعراق وإيران وسوريا، والتى استمرت لمدة ما يقرب من عامين، ثم الحرب الإسرائيلية ضد إيران فى يونيو 2025 والمعروفة بحرب الاثنى عشر يومًا، والتى انضمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية إلى إسرائيل فى اليوم قبل الأخير للحرب، وأخيرًا وليس آخرًا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التى بدأت فى 28 فبراير 2026، والتى يوجد بها الآن وقف مؤقت لإطلاق النار تم تمديده مؤخرًا.
واللافت للانتباه فى حروب هذا العقد، خاصة الحرب الجارية بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، هو التعاظم المبهر فى توظيف الذكاء الاصطناعى ومعطياته لصالح العمليات العسكرية لكل طرف، كلٌّ بحسب مزاياه التنافسية وقدراته بالمقارنة مع الأطراف الأخرى. وقد تنوع هذا التعاظم بشكل غير مسبوق ليتباين بين إضافة لقدرات الطائرات وما تسقطه من قنابل وصواريخ ومقذوفات أخرى، وإضافة للقدرات التدميرية للقنابل والقذائف، وكذلك لدقة تصويبها وتوجيهها، والأعماق التى تستطيع الوصول إليها وتدميرها تحت الأرض بدقة متناهية. وتنطبق نفس الملاحظة على الصواريخ الباليستية والطائرات دون طيار والمسيرات والزوارق البحرية الصغيرة ذات القدرات التدميرية العالية، وغيرها من أسلحة ظهرت وتطورت بسرعة متلاحقة على مدى العقدين الماضيين، وتم تجربتها فى حروب العقد الجارى الأربعة على نطاق واسع. وتعدد منتجو هذه الأسلحة وما تحتويه من تطبيقات تكنولوجية متقدمة، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الدول المعروفة تقليديًا وتاريخيًا بأنها مصدرة ضخمة للسلاح، فشهدنا بزوغ نجم دول جديدة فى هذه المجالات مثل إسرائيل وإيران وأوكرانيا وغيرها، بالإضافة بالطبع إلى الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية وروسيا الاتحادية، وكذلك عدد آخر لا بأس به، ويتزايد باستمرار، من الدول من أقاليم العالم المختلفة، بما فى ذلك دول عربية وأوروبية وآسيوية ومن أمريكا اللاتينية.
ومما استُخدم فى تبرير توظيف منتجات التكنولوجيا المتقدمة، بما فى ذلك معطيات الذكاء الاصطناعى، فى الحروب الأخيرة، كان التمكين من الاقتصار على استهداف الأهداف العسكرية أو ذات الاستخدام العسكرى، والحد من، أو على الأقل التقليل من الخسائر المدنية، سواء الوفيات والإصابات بين صفوف المدنيين أو التدمير والخراب فى المنشآت والبنية التحتية الأساسية لحياة المدنيين. إلا أنه، كما شهدنا جميعًا، فإن مثل هذا الهدف لم يتحقق على النحو الذى تتحدث عنه الدول المشاركة فى الحرب الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبين إيران. فعلى سبيل المثال، شهد اليوم الأول من الحرب، وهو 28 فبراير 2026، قصف الولايات المتحدة الأمريكية بصاروخ لمدرسة ابتدائية للبنات فى مدينة ميناب الواقعة فى جنوب شرق إيران، وهو القصف الذى أدى إلى وفاة 180 تلميذة من الأطفال وإصابة 95 أخريات، بحسب المصادر الرسمية الإيرانية، وهو ما أقر الجيش الأمريكى لاحقًا بمسئوليته عنه، وبرر ذلك بأنه كان نتيجة خطأ فى تحديد المعلومات وتقدير المسافات، باعتبار أن المدرسة المستهدفة كانت قريبة من مكان كان الحرس الثورى الإيرانى يقوم بتخزين أسلحة به، وبالطبع ذلك دائمًا بحسب المصادر العسكرية الأمريكية.
ويجب ألا نغفل عن حقيقة أن توظيف التكنولوجيا المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعى، قد مكن الجانب الإسرائيلى، سواء خلال الحرب على غزة (2023-2025) وما تفرع عنها من حروب على لبنان واليمن والعراق، وكذلك خلال حرب الاثنى عشر يومًا ضد إيران فى يونيو 2025، ثم أخيرًا مكن الجانبين الإسرائيلى والأمريكى فى الحرب الجارية ضد إيران، من النجاح فى استهداف قيادات مهمة وبارزة، سواء لدى الجانب الإيرانى، أو لدى حزب الله اللبنانى، أو حركة حماس الفلسطينية، أو جماعة الحوثيين فى اليمن، أو بعض الفصائل العراقية المسلحة المؤيدة لإيران. وكان من أهم هذه القيادات التى تم اغتيالها من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية المرشد الأعلى الراحل للثورة الإيرانية آية الله على خامنئى، وأمين عام مجلس الأمن القومى الإيرانى على لاريجانى، وزعيم حزب الله الراحل حسن نصر الله، وزعيم حركة حماس الراحل إسماعيل هنية، بالإضافة إلى آخرين غيرهم، دون أن نتجاهل عملية البيجر الشهيرة التى نجحت إسرائيل من خلالها فى اغتيال عدد من قيادات وكوادر حزب الله اللبنانى.
إلا أن تأثير توظيف منتجات التقدم التكنولوجى ومعطيات الذكاء الاصطناعى فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم يقتصر على الأسلحة وذخائرها وقدراتها التدميرية وعمق تأثيرها أو عمليات الاغتيال، بل امتد الأمر إلى توظيفها فى الحرب الاستخباراتية بين طرفى الحرب (الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى)، من جهة السعى للحصول على أقصى وأدق حد ممكن من المعلومات والبيانات التى تساعد على إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالطرف الآخر، وقد كان لذلك دوره فى تسهيل الوصول إلى تحقيق بعض الإصابات المؤثرة من وقت إلى آخر خلال الحرب من جانب كل طرف ضد الطرف الآخر.
ولا شك أن أى استئناف للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أو فى حالة اندلاع حرب جديدة، سواء فى منطقة الشرق الأوسط أو خارجها، سيشهد العالم المزيد والمزيد من درجات أعلى ومراحل أكثر تقدمًا وتطورًا من الجهة النوعية فى استخدام وتوظيف معطيات الثورة العلمية والتكنولوجية، بما فى ذلك فى مجال الذكاء الاصطناعى، لتعظيم القدرات القتالية والاستخباراتية والعمليات الخاصة لكل طرف من أطراف الحرب ضد الطرف الآخر، وتمكينه من تحقيق النصر.