x قد يعجبك أيضا

الهزل والتآمر ومصائر الأمم فى حفل تكريم الرئيس الأمريكى

الأربعاء 29 أبريل 2026 - 8:50 م

لا أذكر يوما خلال سنوات النضج كنت فيه عاشقا لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسى ولا باحثا عنها، وفى الوقت نفسه لا أذكر أننى كنت إذا فوجئت بواحدة منها أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها ودراسة آثار ما صنعت وخلفت.

عشنا خلال هذا الأسبوع أياما لم تفارق أذهاننا فيها سيرة الرئيس دونالد ترامب. لا جديد فى هذه المقولة فنحن نعيش شهورا لا تغيب عنا  للحظة صورة ولا صوت الرئيس الأمريكى، وإن غاب أيهما لسبب أو آخر لاحقتنا من على البعد أو القرب أخبار تنقلاته، والأهم من تنقلاته، نصوص تصريحاته وإبداعاته الكلامية، وخصوصا ما تعلق منها بملاحمه الحربية وعلاقاته الشخصية بزعماء دول عظمى وصغرى، وبمن اختار من الصحفيات والصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض ليصب عليها أو عليه جام غضبه وأسوأ ما فى مستودع الصفات المهينة، ولا مانع لديه من أن ينتهز الفرصة ليمارس الكراهية ضد أصحاب الصحف والقنوات التليفزيونية التى تعمل أو يعمل بها الصحفى أو الصحفية محل سخطه وغضبه.

لا جدال أننا عشنا خلال الأسابيع الأخيرة فى أجواء سياسية إقليمية شديدة السخونة، والسبب فيها اختيار الرئيس ترامب وتفضيله «الحرب الدائمة» أسلوب عمل وعنوان الولاية الثانية له فى حكم الولايات المتحدة، القطب الأعظم فى النظام الدولى. غير خاف ولا يغيب عن فكر السياسة أنه إذا قررت الدولة العظمى فى العالم أو فى نظام إقليمى انتهاج هذا الأسلوب فستكون أولى النتائج الارتباك الشديد فى السياسة الدولية أو الإقليمية، والزيادة الملموسة فى الميل بالسلوك الاجتماعى والسياسى نحو العنف، والبحث العاجل عن تحالفات مناسبة وفض تحالفات غير مناسبة، والزيادة المفضوحة فى إجراءات القمع الداخلى والدولى والإقليمى. راسخ فى ظنى أن أحوال العالم وأحوال الشرق الأوسط الراهنة شاهدة على عواقب اتخاذ كل من أمريكا وإسرائيل، الحرب الدائمة أسلوبا فى إدارة العالم والإقليم، كل فى مجاله وكلاهما معا فى المجال المشترك.

• • •

لست مبالغا فى القول بأن الأيام الأخيرة شهدت غضبا أشد فى مواقع أكثر من العادى والمألوف. كان الإعلام الأمريكى الموقع الممارس للغضب أكثر من  العادى والمألوف، وكان القطاع الممارس للسخرية السياسية فى هذا الإعلام الأكثر وقعا وشعبية بين كل قطاعاته، وكان تركيز الهجوم فيه على شخص رئيس الدولة الهجوم الأشد تجريحا والأعمق أثرا وانتشارا على مختلف المستويات. تذكرت الانتقادات ضد جونسون وبوش وكلينتون وأوباما وبايدين وكلهم اشعلوا حروبا أو ورثوها ولم يوقفوها باستثناء بايدين الذى انسحب فى شكل فضيحة عظمى فاستحق غضبا شديدا، لعله الغضب الذى أحبط مساعى الديموقراطيين لجعل كاميلا هاريس تفوز فى انتخابات الرئاسة ضد ترامب. كان الغضب ضد ترامب خلال الشهور التى أعقبت توليه منصب الرئاسة فى المرة الثانية أعنف ومن نوع مختلف.

لا يمكن إنكار أن الأيديولوجيا التى تميز مواقف الحزبين الجمهورى والديموقراطى من قضايا بعينها لعبت دورا فى تأليف وصياغة مواقف الانتقاد المتبادلة بين الحزبين، إلا أنه فى حالة الرئيس ترامب لم يكن للأيديولوجيا الدور  الحاسم خلافا لرأى الرئيس الذى يردده فى كل مكان. الرئيس يعطى الأيديولوجيا دورا مهما فى خلافه مع المعارضة على عكس الواقع وهو أن الرئيس قادم للحكم، ومستمر فيه، على أساس قناعة لديه بأن حروبا عديدة يجب أن يشنها ليبقى فى الحكم ويترك أثرا لا تمحوه الوثائق التاريخية التى قد يسطرها رؤساء قادمون من بعده.

لم ينتبه الرئيس إلى أن التوسع بالاعتداءات المسلحة ضد دول صغيرة مثل فنزويلا وبنما وإيران أو أقاليم تخضع لسيادة دول حليفة مثل جرينلاند أو التوسع بالايحاءات والدعاوى التاريخية والنواحى الجغرافية مثل الحملة المخططة من جانبه من أجل انضمام كندا إلى الولايات المتحدة كولاية إضافية، جميعها وبخاصة الحرب ضد إيران استجابة لجزء ضمن خطة إسرائيلية أوسع لإقامة ظروف تسمح بإنشاء إسرائيل الأكبر فى أقرب وقت وبتكلفة ليست قادرة على تدبيرها منفردة، أقول لم ينتبه الرئيس إلى حقيقة أن حال الانحدار الذى تمر فيه الولايات المتحدة منذ عقود أفرز تداعيات تصب جميعها فى ميل شعبى أمريكى لرفض الحرب، ورفض سياسة دعم إسرائيل بلا حدود أو تردد.

الخلاف هنا لم يتخذ الشكل الأيديولوجى الذى يدعيه ترامب. الخلاف لم يكن ولن يكون بين نخب حاكمة لكل منها عقيدة سياسية تبشر بها وتدافع عنها. تابعت عن قرب تعليقات ومواقف الكوميديين الساخرين، وهى بالفعل حادة ولكن معبرة بحق عما يدور فى ذهن رجل الشارع المتأثر بقيود اقتصادية تفرضها استعدادات وتأثيرات الحروب الخارجية والمعونات لدولة إسرائيل. تابعت أيضا تعليقات ومحاضرات وكتابات بعض كبار الاقتصاديين وعلماء السياسة الدولية وراقبت التحول المتدرج، ولكن الواثق، فى اتجاهات دوريات وتقارير مراكز البحوث الأشهر فى الولايات المتحدة، أعترف أننى لفرط حماستى وكثافة متابعتى للحوار الثرى الدائر فى الولايات المتحدة داخل أهم دوائر التفكير السياسى والاقتصادى، كدت أعرض على أكثر من موقع المشاركة فى هذا الحوار مقدرا منذ البداية أن الأمر خطير ليس فقط بالنسبة لمستقبل الولايات المتحدة ولكن أيضا لمستقبل بلدى وبيتى وأولادى وأحفادى.

• • •

جاءت الليلة التاريخية، ليلة اجتماع الرئيس الأمريكى بممثلى الصحافة الأمريكية فى حضور كبار شخصيات الدولة وشركاتها وجامعاتها. جلست أمام الشاشة متأهبا مثل أصدقاء أعرفهم. أرى أمامى القاعة وقد جلس الرئيس وزوجه ونائب الرئيس والوزراء وغيرهم على المائدة الرئيسية المطلة على القاعة من عل، وفى ظنى أن الرئيس جاء مسلحا بخطاب يحمل عديد الاهانات المعتادة لخصومه الصحافيين وهم كثر فى القاعة وخارجها، وبعضه مسلح هو الآخر بخطابات تركز على الحرص على حرية التعبير والاعراب عن كونها مهددة. توقعت، ولكن بتردد، ليلة ساخنة. أما التردد فمبعثه ارتباك تسرب لى من قاعة المؤتمر عبر الشاشة.

رأيت وتابعت الهرج والمرج، وكأنه أمر واقع ومتوقع. لفت نظرى سرعة دخول الجنود المسلحين إلى القاعة وكلهم بملابس ميدان غريبة على مرتادى مثل هذه المؤتمرات. لفت نظرى أيضا أن بعضهم كان يتحرك كما لو كان فى عرض تدريبى مدروس ومألوف وليس كحال وجود عناصر إرهابية تهدد حيوات أعضاء الجهاز الحاكم. رأيت رجال الخدمة السرية وهم يتقافزون حول الموائد يدفعون الرئيس للخروج من الباب المؤدى نحو الموقع الذى جاءت منه أصوات ما يشبه أصوات الرصاص، بينما وجدت أبواب أخرى تؤدى إلى جهات ربما أقل خطورة.

لاحظت الارتباك ولم أجد تفسيرا فى تلك اللحظة سوى أننا نعيش جميعا فى حال ارتباك منذ يوم تولى الرئيس الأمريكى مقاليد الحكم. الصين فى ارتباك وكذلك روسيا والدول العربية وإيران بسبب ما يقال عن انقسام الجماعة الحاكمة فى إيران، بل وارتباك أيضا فى واشنطون أمام المشهد المتكرر لإقالة وزيرة بعد أخرى أو بعد آخر. راعنى فى النهاية أن لا هلع فى القاعة ولا ولع. ربما هناك ضيق لأن برنامج الحفل لن يكتمل.

أيقظنى قرب الفجر الهاتف الراقد بجوارى لأستمع إلى صوت زميلة  من الصحفيات المتمردات تنقل لى القناعة السائدة بين جماهير الصحفيين وبخاصة ممثلى قطاع الكوميديين الساخرين والقريبين من المسئولين عن دوريات السياسة الخارجية، قناعة بأن الجانب الحرج من الحفل نظمته جهات أمنية موثوق بها على علاقة وثيقة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية. 

استمعت إلى الرسالة يقظا ومنتبها خاصة وأن التقديرات الأولية ذهبت فى أغلبها لتؤكد أن الرئيس أراد سد ثغرة فى شعبيته المتدهورة، أو أنه أراد أن يغطى على فشله فى حرب إيران، أو أنه تلقى تحذيرا مؤكدا وواثقا بأن الخسارة فى انتخابات نوفمبر محققة، أو أنه لن يحصل على المال المطلوب لاستكمال إقامة صالة الرقص العظمى  وقوس النصر الأكبر فى العالم اللتين بإنشائهما يخلد إسمه بعد أن فشل فى إقناع أحد باستحقاقه نوبل للسلام، أو أن فرص محاكمته وعزله تتزايد مع الوقت، أو أنه فى حاجة لسبب إضافى يسمح له بعسكرة العاصمة واشنطون وبعض عواصم الولايات تمهيدا لفرض نفسه فى ولاية جديدة، أو كلها معا.

إن صح ما يتردد بين بعض الصحفيين والدبلوماسيين بأن الولايات المتحدة تتدحرج نحو ورطة. وإن صدقت تجاربنا مع واشنطن خلال العقود الماضية وتأزمت أحوال أمريكا، سنكون جميعا فى ورطة أشد مما نحن فيه.    

 

   

    

   

      

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة