تشهد المنطقة العربية مرحلة إعادة تشكل عميقة بفعل الحرب المرتبطة بإيران وتداعياتها التى امتدت إلى واحد من أهم الشرايين البحرية فى العالم، وهو مضيق هرمز. هذه التطورات لم تعد مجرد أزمة عسكرية أو سياسية، بل تحولت إلى اختبار شامل للنظام الإقليمى العربى من حيث تماسكه، وفعاليته، وقدرته على التعامل مع الأزمات الممتدة عبر الحدود.
النظام الإقليمى العربى الذى تديره جامعة الدول العربية نشأ على أساس التنسيق بين الدول العربية، لكنه ظل يعانى تاريخيًا من تفاوت الأولويات وتباين السياسات الخارجية. ومع اندلاع الحرب وتوسع آثارها، برز بوضوح أن هذا التباين لم يعد مجرد اختلاف سياسى، بل أصبح عاملًا مؤثرًا فى قدرة النظام على اتخاذ موقف موحد أو إدارة أزمة إقليمية كبرى.
أحد أهم ملامح «تقدير الموقف» الحالى هو غياب الإجماع العربى الكامل حول الحرب. فالدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر، تتعامل مع الأزمة من زاوية أمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية، بينما تتبنى دول عربية أخرى مقاربات مختلفة تعكس حساباتها السياسية والإقليمية. هذا التباين جعل الموقف العربى أقرب إلى إدارة اختلاف منه إلى توحيد موقف، وهو ما أضعف القدرة على صياغة رد جماعى واضح.
فرضت الحرب ضغوطًا واسعة على النظام العربى ككل. فالدول المصدرة للطاقة تأثرت بتقلبات الأسعار وتعطّل سلاسل التصدير عبر مضيق هرمز، بينما واجهت دول مستوردة مثل مصر والأردن وتونس ارتفاعًا فى تكاليف الطاقة والسلع الأساسية، ما أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية وتراجع القدرة الشرائية. هذا التفاوت عمّق الانقسام الاقتصادى داخل النظام الإقليمى، لكنه فى الوقت نفسه أبرز الترابط البنيوى بين اقتصادات الدول العربية.
ورغم هذا المشهد المعقد، فإن جامعة الدول العربية لا يمكن اختزالها فى بعدها السياسى فقط. فقد نجحت خلال السنوات الأخيرة فى تحقيق تقدم نسبى فى مجالات غير سياسية، مثل التعاون الاقتصادى، والمبادرات الاجتماعية، والملفات البيئية، والتحول الرقمى والتكنولوجى. هذه المجالات لم تكن دائمًا فى دائرة الضوء، لكنها شكلت أرضية عملية يمكن البناء عليها لتطوير العمل العربى المشترك، خاصة بين الدول التى تتمتع باستقرار سياسى وتتبنى إصلاحات اقتصادية واضحة.
من منظور تقدير الموقف، يمكن القول إن هذه النجاحات الجزئية تمثل رصيدًا مؤسسيًا يمكن تطويره بدل تجاوزه. فبدل التركيز على الخلافات السياسية، يمكن توسيع دور الجامعة لتصبح منصة تنسيقية للمشاريع الاقتصادية الكبرى، وربط أسواق الطاقة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز التعاون البيئى، وهو ما يمنحها وظيفة عملية تتجاوز الإطار التقليدى للدبلوماسية.
ومن ثم أعادت الحرب تعريف مفهوم الأمن الإقليمى العربى، حيث لم يعد الأمن مقتصرًا على الحدود الجغرافية أو النزاعات التقليدية، بل أصبح مرتبطًا بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحماية الممرات البحرية. وهذا ما دفع بعض الدول العربية إلى تعزيز شراكاتها مع قوى دولية مثل الولايات المتحدة لضمان حماية الملاحة فى الخليج والمحيط الهندى. لكن هذا التوجه يعكس فى الوقت نفسه محدودية القدرة العربية على بناء منظومة أمن جماعى فعّالة حتى الآن.
ومع ذلك، فإن استمرار الاعتماد على القوى الخارجية فى إدارة الأمن الإقليمى يطرح تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد يتعلق باستقلالية القرار العربى. فكلما زاد هذا الاعتماد، تقلصت مساحة المبادرة الذاتية داخل النظام الإقليمى، وهو ما قد يحد من قدرته على صياغة سياسات مستقلة فى المستقبل.
فى هذا السياق، لا يبدو أن النظام الإقليمى العربى يتجه نحو التفكك، بل نحو إعادة تشكل تدريجية. فبدل نموذج موحد ضعيف الفاعلية، قد يتطور إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على تكتلات فرعية وتحالفات وظيفية، خصوصًا بين الدول ذات المصالح الاقتصادية والأمنية المتقاربة. هذا التحول يعكس واقعية سياسية جديدة تفرضها تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.
الخلاصة، يكشف "تقدير الموقف" أن النظام الإقليمى العربى يمر بمرحلة اختبار حقيقية. فالحرب المرتبطة بإيران، واضطراب مضيق هرمز، وتباين المواقف العربية، كلها عوامل تدفع نحو إعادة تعريف دور جامعة الدول العربية. وبين تحديات الانقسام وفرص التكامل، يبقى مستقبل النظام مرهونًا بقدرته على تحويل التباين إلى تنوع منتج، والأزمات إلى محفزات لإعادة البناء، بدل أن تكون عوامل إضعاف مستمر.
كاتبة ومحللة سياسية