أثار الهجوم العسكرى الأمريكى على فنزويلا واختطاف رئيس الجمهورية «نيكولاس مادورو» والسيدة قرينته والعودة بهما إلى الأراضى الأمريكية والإعلان عن تقديمهما للمحاكمة أمام محكمة فيدرالية أمريكية فى مدينة نيويورك بتهمة مخالفة القوانين الأمريكية والعمل من أجل تهريب السلاح والمخدرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من ردود الفعل على الصعيدين الرسمى والشعبى، كما على صعيد القوى والأحزاب السياسية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدنى والرأى العام، فى عدد كبير من بلدان العالم على اختلاف قاراته. وسوف نركز فى هذا المقال على عرض وتحليل المواقف الرسمية الخاصة بالدول الأوروبية الغربية الرئيسية والسعى لتفسير هذه المواقف وردها إلى الأسباب والدوافع التى ربما تكون قد جعلت تلك الحكومات تتجه إلى وتقرر تبنيها وإعلانها على هذا النحو الذى حدث على أرض الواقع.
فمن جهة، فإنه يمكن القول إن مواقف الدول الأوروبية الغربية الرئيسية فى مجملها اتفقت على عدد من الخطوط العامة والعريضة، والتى اشتملت، ضمن أمور أخرى، على دعوة الأطراف المعنية إلى التزام الهدوء والعمل من أجل ضبط النفس وتجنب أى تصعيد فى المواقف والسعى من أجل التسوية السلمية للنزاع، كما حرصت، فى الوقت ذاته، على تأكيد ضرورة الالتزام بالقانون الدولى ومبادئه وكذلك بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، مع إبراز أن أى تسوية للنزاع الأمريكى مع فنزويلا يجب أن تحترم القانون الدولى ويجب أن تتسم بالطابع السلمى.
وبالرغم من أن الغالبية من القادة والزعماء ووزراء الخارجية للدول الأوروبية الغربية الرئيسية لم يعلنوا عن الدعم للعملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا، فإن بعضهم أشار إلى أن نظام حكم الرئيس المختطف «مادورو» كان يفتقد إلى مقومات الشرعية، وذلك فيما بدا أنه محاولة من هؤلاء لتحقيق نوع من التوازن السياسى، بعيدًا عن الموقف القانونى، بين الإعراب عن قدر ما من الانتقاد للعملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا وبين الحرص على الإعراب عن عدم الرضا إزاء الطريقة التى كان يتم بها حكم فنزويلا من قبل نظام «مادورو» فى فترة ما قبل التدخل العسكرى الأمريكى. ولكن من الجدير بالانتباه هنا أن عددًا من الساسة والكُتاب والمفكرين الأوروبيين الغربيين أعربوا عن القلق من المخاطر التى تحملها هذه العملية العسكرية الأمريكية على ما كان يعتقد أنها قواعد عالمية متفق على احترامها تحكم النظام الدولى، وهو الأمر الذى ينذر بإسباغ الشرعية على تدخلات عسكرية فى الشئون الداخلية لدول أخرى تقرر بشكل أحادى فى المستقبل.
وربما كانت إسبانيا هى الدولة الوحيدة من الدول الكبرى فى أوروبا الغربية التى أدانت، على لسان رئيس وزرائها «بيدرو سانشيز» ووزير خارجيتها «خوزيه مانويل ألباريس»، العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا ووصفتها بأنها تمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولى كما أنها تشكل سابقة خطيرة. إلا أنه حتى بالنسبة لإسبانيا، فقد سعت لموازنة هذه الإدانة الواضحة بالدعوة إلى عدم التصعيد واتباع المفاوضات السلمية كنهج لتسوية الخلافات، كما عرضت الحكومة الإسبانية القيام بالوساطة للتوصل إلى تسوية سلمية.
وفى حالة دولة أوروبية غربية كبرى أخرى، وهى فرنسا، فقد ظهر لنا ما قد يحتمل التفسير على أنه تباين فى مواقف كبار المسئولين داخل الحكومة الواحدة، ولكنه قد يتم تفسيره أيضاً من قبل البعض الآخر باعتباره تقسيماً للأدوار فيما بينهم. فبينما اعتبر وزير الخارجية الفرنسى «جان نويل بارو» العملية العسكرية الأمريكية تجاه فنزويلا خرقاً لمبدأ عدم اللجوء لاستخدام القوة فى العلاقات الدولية، سوى فى الحالات التى شرعها ميثاق الأمم المتحدة، وهو مبدأ من المبادئ الحاكمة والآمرة فى القانون الدولى، فإن الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» كان أكثر غموضاً فى رد فعله، فبينما أقر بسقوط النظام السياسى للرئيس الفنزويلى «مادورو»، فإنه بدا ممتنعاً عن توجيه أى إدانة سياسية أو قانونية مباشرة للغارة الأمريكية على فنزويلا، وهو الأمر الذى أدى إلى صدور اعتراضات وانتقادات داخلية هامة ولها ثقلها رأت أن المواقف الرسمية الفرنسية لم تدافع عن الشرعية الدولية والقانون الدولى على النحو المتوقع منها.
وقد انفردت وتفردت الحكومة اليمينية الإيطالية بزعامة رئيسة الوزراء «جيورجيا ميلونى» بتقديم دعم وتعاطف واضحين وصريحين، ونادرين على صعيد حكومات أوروبا الغربية فى هذه الحالة، للهجوم العسكرى الأمريكى على فنزويلا، حيث اعتبرت العمل العسكرى الأمريكى مشروعاً وبغرض الدفاع عن النفس، فيما بدا واضحاً أنه قبول بالصياغة والطرح الأمريكيين فى تبرير هذا الهجوم ومحاولة إكسابه المشروعية والطابع القانونى.
وتبقى حالة الموقفين البريطانى والألمانى، فيما بدا أن هناك بعض أوجه التشابه فيما بينهما، فبينما حرص رئيس الوزراء البريطانى العمالى «كير ستارمر» على تأكيد عدم مشاركة بريطانيا بأى شكل من الأشكال فى الهجوم العسكرى الأمريكى على فنزويلا وحرص بلاده على الإعلاء من شأن القانون الدولى فإنه أوضح أن الحقائق ليست واضحة بحيث تتمكن بلاده من اتخاذ موقف محدد إزاء ما حدث. وبمقاربة مشابهة فقد دعا المستشار الألمانى «فريدريش ميرتس» إلى تسوية سياسية للأزمة فى فنزويلا، مؤكداً على ضرورة تجنب التصعيد واحترام مبادئ وقواعد القانون الدولى، إلا أنه ذكر أن الجوانب القانونية للعملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا تبدو شديدة التعقيد، وبالتالى فإن الحكومتين البريطانية والألمانية لم تصدر عنهما أى إدانة للهجوم الأمريكى.
وإذا انتقلنا إلى محاولة تبيان المعالم العامة لهذه المواقف للدول الكبرى فى أوروبا الغربية ومحاولة تفسيرها نجد من الضرورى الإشارة إلى عدد من الملاحظات.
فأولاً، هذه المواقف الأوروبية الغربية تزيد من تعميق الأزمة التى تعانى منها حكومات أوروبا الغربية أمام قطاعات هامة من الرأى العام والقوى السياسية والاجتماعية بداخل بلدانها، والتى برزت نتيجة مواقف هذه الحكومات إزاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حيث تعرضت تلك الحكومات بوضوح للاتهام بغض الطرف عما ارتكبه الحكومة والجيش الإسرائيليان من أعمال رآها كثيرون داخل أوروبا الغربية وخارجها أنها منافية للقانون الدولى وللقانون الإنسانى الدولى ولميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.
ثانياً، فإن هذه المواقف تجسد المزيد من التأزيم بإضافة مصداقية جديدة، أيضاً بعد مواقف تلك الحكومات من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لاتهام حكومات البلدان الكبرى فى أوروبا الغربية باتباع معايير مزدوجة عند التعامل مع مواقف وقضايا دولية متشابهة من جهة التكييف القانونى الدولى، وتكون المقارنة الأساسية هنا بالطبع هى مع مواقف نفس تلك الحكومات تجاه الحرب الروسية الأوكرانية وتشدد إدانتها لروسيا بل وفرض العقوبات عليها.
ثالثاً، فإنه من الواضح أن حكومات دول أوروبا الغربية لم ترغب فى تبنى مواقف واضحة فى إدانة الهجوم العسكرى الأمريكى على فنزويلا بسبب حرصهم على عدم إيجاد نقطة خلاف جديدة وإضافية مع الإدارة الأمريكية الجمهورية الحالية بقيادة الرئيس «دونالد ترامب»، نظراً لأنهم بالفعل فى حالة خلاف مع السياسة الأمريكية إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، والتى يرونها تمارس ضغوطا كثيرة على القيادة السياسية الأوكرانية وتطالبها بـ «تنازلات» تعتبرها حكومات أوروبا الغربية مبالغًا فيها وكانت تتمنى أن تمارس واشنطن نفس هذه الضغوط على موسكو وتطالبها بتقديم تنازلات، وبالتالى لا تود هذه الحكومات توسيع رقعة الخلاف مع الإدارة الأمريكية، بل ربما تسعى أيضاً إلى تضييقه، حفاظاً على ضمان دعم وحماية الحليف الأكبر عبر المحيط الأطلسى.