x قد يعجبك أيضا

متطلبات الاتجاه نحو الاستقلالية التنموية فى إفريقيا

الثلاثاء 6 يناير 2026 - 7:10 م

من الواضح أن إفريقيا تقف اليوم عند منعطف تاريخى حاسم؛ حيث ستُحدد قدرتها على تعبئة التدفقات المالية وتوجيهها استراتيجيا مسارها التنموى وموقعها فى ظل نظام اقتصادى عالمى سريع التغير. ولعل ذلك يفرض علينا ضرورة فهم كيفية تحول إفريقيا من متلقٍّ سلبى لرأس المال العالمى إلى مُصمم فاعل لمصيرها المالى. وتواجه إفريقيا فجوة تمويلية موثقة تتراوح بين 194 مليار دولار و470 مليار دولار سنوياً ناتجة عن احتياجات تمويلية سنوية تتراوح بين 870 مليار دولار و1.3 تريليون دولار، وموارد متاحة تُقدر بنحو 829.7 مليار دولار سنوياً. وإذا أضفنا إلى ذلك ما يُقدر بنحو 88.6 مليار دولار من التدفقات المالية غير المشروعة السنوية التى تجد طريقها خارج القارة — أى ما يعادل 3.7% من الناتج المحلى الإجمالى للدول الإفريقية- فإن حجم التحدى المالى لإفريقيا يصبح واضحاً؛ مما يؤكد ضرورة غير مسبوقة لتحسين التفاعل بين الاستثمار الأجنبى المباشر، والمساعدة الإنمائية الرسمية، والتحويلات المالية، والضرورة الملحة لمكافحة هروب رأس المال، وهو ما يناقشه هذا المقال.

 


• • •
يؤكد حجم التحدى المالى لإفريقيا إلحاح هذه اللحظة. فعلى الرغم من أنها تمثل نحو 17% من سكان العالم؛ فإن القارة تستحوذ على حصة متواضعة بشكل غير متناسب من تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر العالمية. ففى عام 2024، اجتذبت إفريقيا نحو 62 مليار دولار من تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر؛ وهو ما يمثل 6% من الإجمالى العالمى.
يكشف إجمالى الاستثمار الأجنبى المباشر الذى تلقته إفريقيا فى عام 2024، عن اختلال جغرافى وقطاعى حاد؛ فقد ذهب نصفه إلى شمال إفريقيا، حيث استحوذت مصر وحدها على 35 مليار دولار لمشروع تنمية حضرية واحد. كما لا تزال الصناعات الاستخراجية - التعدين والنفط- تهيمن على إعلانات الاستثمارات الجديدة بنسبة 15%؛ مما يُكرّس دور إفريقيا كمصدر للموارد بدلاً من كونها قوة صناعية.
ومع ذلك، فمن الأمور المبشرة بروز مشاريع الطاقة المتجددة كنقطة انطلاق مشرقة باستثمارات وصلت إلى 17 مليار دولار فى عام 2024، إلا أن هذه المشاريع تتركز أيضاً فى أربع دول فقط هى مصر والمغرب وناميبيا وتونس.
لكن تشهد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى -التى تضم ثلثى سكان إفريقيا ومعظم أفقر دول القارة- عمليات سحب استثمارات نشطة، حيث تُغلق الشركات الأجنبية عملياتها فى معظم المناطق باستثناء شرق إفريقيا. وتكمُن وراء هذه الصورة الكئيبة عقبات هيكلية لا يمكن لأى قدر من الحماس الاستثمارى التغلب عليها بمفرده.
وتشير التقديرات إلى أن 70% من مشاريع البنية التحتية الإفريقية لا تزال عالقة فى مراحل التخطيط المبكرة؛ لأنها تفتقر إلى الجودة الفنية والالتزامات المالية التى يطلبها المستثمرون المحترفون. وتُفاقم هذه التحديات حالة عدم اليقين السياسي؛ إذ تُثير تهديدات التعريفات الجمركية الأمريكية قلق المستثمرين بشأن الوصول إلى الأسواق فى المستقبل، ويُقلل تباطؤ الاقتصاد الصينى من إقبال بكين على السلع الإفريقية، كما أن تعقيدات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى قد عقّدت العلاقات التجارية الأوروبية.
• • •
من بين التدفقات المالية الخارجية التى تدعم التنمية الإفريقية؛ تُمثّل التحويلات المالية مورداً بالغ الأهمية. ففى كل يوم، يرسل ملايين الأفارقة الذين يعملون فى مدن بعيدة ودول أجنبية أموالاً إلى عائلاتهم وذويهم. وفى عام 2024، بلغ إجمالى تحويلات المغتربين هذه -المعروفة باسم التحويلات المالية- 95.1 مليار دولار تدفقت إلى إفريقيا. وتُعد مصر ونيجيريا والمغرب من أكبر المستفيدين، تليها أعداد متزايدة من الاقتصادات متوسطة الحجم ذات أعداد كبيرة من المهاجرين.
ومن الجدير بالذكر أن تدفقات التحويلات المالية إلى إفريقيا شهدت ارتفاعاً هائلاً خلال عقد واحد؛ من نحو 53 مليار دولار أمريكى فى عام 2010 إلى 95 مليار دولار أمريكى فى عام 2024. وعلى عكس المساعدات الخارجية، التى تخضع للتحولات الجيوسياسية وأولويات الجهات المانحة، أو الاستثمار الأجنبى المباشر، الذى يستجيب لحسابات المخاطر والعوائد المتوقعة؛ فإن تدفقات التحويلات المالية تعتمد على الالتزامات العائلية والشبكات الشخصية؛ مما يجعلها مرنة بشكل ملحوظ فى ظل التقلبات الاقتصادية العالمية.
ومع ذلك، لا تزال إفريقيا تعانى من قيود شديدة بسبب ارتفاع تكاليف التحويلات المالية بشكل غير عادي. فوفقاً لتقرير البنك الدولى عن أسعار التحويلات المالية فى جميع أنحاء العالم للربع الأول من عام 2024، لا تزال إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أغلى منطقة لإرسال الأموال.
• • •
لا تزال التدفقات المالية الخارجية فى إفريقيا هى الأكثر ضرراً إلى حد كبير ولم تُعالَج بعد. فثمة تدفقات مالية غير مشروعة سنوية بقيمة 88.6 مليار دولار. وقد وثّق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" أن هروب رؤوس الأموال هذا يُمثل 3.7% من الناتج المحلى الإجمالى للقارة، وأن التدفقات المالية غير المشروعة تحرم إفريقيا وشعوبها من فرصهم فى التنمية؛ مما يُقوّض الشفافية والمساءلة، ويُضعف الثقة فى المؤسسات الإفريقية.
ولعل الأمر الأكثر تدميراً هو أن نحو 65% من التدفقات غير المشروعة تأتى من الأنشطة التجارية، بما فى ذلك التلاعب بالفواتير التجارية والتهرب الضريبى للشركات، بينما يأتى 35% منها من النشاط الإجرامى والفساد؛ حيث تُقدر خسائر الصناعات الاستخراجية بنحو 40 مليار دولار سنوياً. والحالة هذه مُذهلة؛ إذ يكشف تقرير «الأونكتاد» أن البلدان الإفريقية التى تعانى من ارتفاع مستويات فقدان الدخل بسبب التدفقات غير المشروعة؛ تنفق بشكل أقل بنسبة 25% على الصحة، وأقل بنسبة 58% على التعليم مقارنة بالدول التى تشهد تدفقات خارجية غير مشروعة بدرجة أقل. ويتطلب عكس هذا النزيف تطبيق آليات شفافية منهجية مثل سجلات الملكية الانتفاعية، وأنظمة الفوترة الإلكترونية المتكاملة مع الجمارك، وعمليات تدقيق منهجية لفروق أسعار صادرات المعادن، وتبادل المعلومات تلقائياً بين السلطات الضريبية. وعلى أية حال يكشف حجم التدفقات غير المشروعة أنه فى غياب إجراءات صارمة لمكافحة الفساد؛ لا يمكن للتدفقات المالية الخارجية وحدها أن تُعالج فجوات تمويل التنمية؛ لأن رأس المال يتسرب فى الوقت نفسه عبر قنوات غير مشروعة.
يحتاج تفعيل هذا الإطار بحلول عام 2043 إصلاحاً سياسياً متكاملاً يتناول أبعاداً متعددة فى آن واحد. فيجب على الحكومات الإفريقية تعزيز قدرتها الاستيعابية من خلال الإصلاحات المؤسسية، وتنمية المهارات، وتحديث البنية التحتية.
ورغم التحديات الاقتصادية العالمية المستمرة؛ فإن الدول الإفريقية لا تستطيع أن تتحمل البقاء متلقية سلبية للمساعدات الإنمائية الرسمية المتناقصة؛ بل يتعين عليها بدلاً من ذلك إعطاء الأولوية بشكل عاجل لتعبئة الموارد المحلية من خلال إصلاح النظم الضريبية مع الاعتراف بأن حصة المساعدات الإنمائية الرسمية المتناقصة تتطلب إعادة توجيه أساسية نحو تمويل التنمية المعتمد على الذات.
ختاماً، لا تُمثل تعبئة التدفقات المالية الإفريقية لتسريع التنمية مجرد ممارسة مالية تقنية؛ بل هى تأكيد أساسى للمكانة والفاعلية القارية ضمن نظام عالمى متعدد الأقطاب. ولا شك أن التباين الواضح فى أنماط الاستثمار الأجنبى المباشر المعاصرة – مثل تراجع الاستثمارات الغربية إلى جانب التوسع السريع فى مشاركة الاقتصادات الناشئة والمستثمرين الأفارقة– تعكس تحدياً وفرصة فى آنٍ واحد. فبدلاً من التكيف السلبى مع دورات دوران رأس المال؛ يجب على الدول الإفريقية توجيه التدفقات المالية بشكل استباقى نحو أهداف التنمية الاستراتيجية. ويتطلب ذلك اتخاذ إجراءات متزامنة على جبهات متعددة: ومن ذلك (أ) خفض تكاليف التحويلات المالية مع توجيه 30 مليار دولار إضافية متوقعة سنوياً من خلال أدوات استثمار المغتربين؛ و(ب) جذب الاستثمار الأجنبى المباشر استراتيجياً؛ بما يتماشى مع أهداف التنمية الصناعية؛ و(ج) حماية الإيرادات العامة من خلال تدابير منهجية لمكافحة الفساد تستهدف 88.6 مليار دولار من التدفقات غير المشروعة السنوية الخارجة؛ و(د) تقليل الاعتماد على المساعدات من خلال تعبئة الموارد المحلية التى يمكن أن تصل إلى 479.7 مليار دولار سنوياً مع تحسين الإدارة الضريبية. وتُظهر توقعات معهد الدراسات الأمنية للمستقبل الدولى أن التدفقات المالية المُحسّنة يمكن أن تُحقق مكاسب إنمائية تحويلية. وفى نهاية المطاف، لن يُحدد مستقبل إفريقيا بتدفقات رأس المال الخارجى إلى القارة؛ بل بالحكمة الاستراتيجية التى يدير بها القادة الأفارقة هذه التدفقات، ويُوجهونها نحو الرخاء المشترك والاستقلال القارى، بالاستناد إلى أطر وسياسات مدعومة تجريبياً.
حمدى عبدالرحمن
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى:

 


https://tinyurl.com/yc7uy5cd

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة