فى أسوأ أداء نصف سنوى له منذ عام 1973، ومع بداية ولاية الرئيس دونالد ترامب الذى يقود حروبا تجارية ضد الدول «الأعداء والحلفاء»، تعرض مؤشر الدولار الأمريكى لضغوط شديدة خلال النصف الأول من العام الحالى، ليسجل تراجعا بنسبة 11 فى المائة منذ بداية يناير. ويعزو الخبراء أسباب هذا الضعف إلى حالة الغموض التى تلف السياسات التجارية والمالية والنقدية، إلى جانب ضغوط ترامب المستمرة على الاحتياطى الفيدرالى لخفض أسعار الفائدة.فى المقابل ارتفع سعر صرف اليورو أمام الدولار بنسبة 13.8 فى المائة، متجاوزا 1.18 دولار، ليبلغ أقوى مستوى له منذ سبتمبر2021. وقد بدأ يستعيد قوته فى خضم صحوة أوروبية، مستفيدا من الخطط المالية التوسعية غير المسبوقة التى أعلنتها ألمانيا لتعزيز ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأوروبى، وذلك وسط إشارات إلى أن «القارة العجوز» أخذت طريقها نحو تجاوز سنوات الركود، ما يجعل اليورو أكثر جاذبية كعملة احتياط لدى البنوك المركزية، وهو يستعد لرفع حصته من 20 إلى 25 فى المائة. فى «لحظة محورية»، يدخل الاقتصاد العالمى حقبة جديدة من الضبابية المتزايدة، ومن عدم القدرة على التنبؤ، أمام اختبار مدى ثقة الناس بالمؤسسات الدولية، وكذلك البنوك المركزية فى العالم. وفى أحدث تقييم لحالة الاقتصاد العالمى، حذر بنك التسويات الدولية، الذى يتابع مسيرة البنوك المركزية، من أن «تؤدى الحرب التجارية التى تقودها الولايات المتحدة، وغيرها من التحولات السياسية، إلى إنهاك النظام الاقتصادى الراسخ منذ فترة طويلة، وسط انقسامات عميقة فى النظام المالى العالمى».ويأتى هذا التحذير بعد ستة أشهر من «اضطرابات جيوسياسية»، مترافقة مع مسيرة مفاوضات قد تطول بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، للوصول إلى اتفاق تجارى «عادل» حول الرسوم الجمركية، لإعادة التوازن للميزان التجارى، بما يخدم الاقتصاد الأمريكى «المأزوم» اقتصاديا وماليا ونقديا. • • •فى هذا السياق، سجلت واشنطن خطوة إيجابية مع الصين، بالوصول إلى اتفاق تجارى شامل بين أكبر اقتصادين فى العالم، وصف بأنه خطوة تكتيكية من الإدارة الأمريكية فى مسيرتها لإعادة ترتيب تحالفاتها الاقتصادية، مع السعى إلى فتح السوق الهندية بشكل أوسع أمام المنتجات والتقنيات الأمريكية. لكن يبدو أن المشكلة الأكثر تعقيدا تبقى على الجبهة الأمريكية الأوروبية، وخصوصا أن الدول الأوروبية هى الشريك التجارى الأول للولايات المتحدة، إذ بلغ حجم التبادل بينهما فى العام الماضى أكثر من تريليون دولار، ويمثل نحو 4.9 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى الأمريكى، متفوقا على التجارة مع الصين التى شكلت 2.2 فى المائة فقط.ومع استمرار تبادل التهديدات والتحذيرات بين شعار «أمريكا أولا»، الذى يرفعه ترامب، وبين تأكيد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن «جميع الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة، ولكننا سندافع عن المصلحة الأوروبية فى النهاية»، فإن مخاطر استمرار الحرب التجارية تنعكس بتأثيراتها على مسيرة الاقتصاد العالمى.• • •فى خضم أزماتها الاقتصادية والمالية والنقدية، تواجه واشنطن، وللمرة الأولى، تداعيات إعلان «موديز» عن خفض التصنيف الائتمانى للولايات المتحدة من درجة ممتاز «AAA» وهى الأعلى، إلى درجة «1A A»، مع نظرة مستقبلية مستقرة، وذلك نتيجة مجموعة عوامل متداخلة تعكس هشاشة الوضع المالى العام، وتفاقم الضغوط المستقبلية على الميزانية الفيدرالية؛ ولعل أهمها، الارتفاع الحاد فى الدين العام الذى تجاوز 36.2 تريليون دولار، وسيواصل مساره التصاعدى، ليتجاوز الأربعين تريليونا. فيما تبرز تكلفة خدمة هذا الدين البالغة تريليون دولار سنويا، كعبء إضافى على المالية العامة. ولكن الأكثر خطورة، أن قرار «موديز» يسلط الضوء على العجز السياسى فى مواجهة الأزمة. وحذر بأنه فى «حال استمرت هذه الديناميكية من دون تدخل حاسم، فقد لا يكون خفض التصنيف الحالى هو الأخير، ما يهدد بتقويض مكانة الدولار، كعملة احتياط عالمية، ويعرض الأسواق العالمية لتقلبات غير مسبوقة».لا شك فى أن التحول المفاجئ فى التوجهات الاستراتيجية لإدارة الرئيس ترامب أثار قلقا واسعا فى الأوساط الاستثمارية حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادى والسياسى، وأسهم ذلك فى تعميق حالة «عدم اليقين»، وإضعاف الثقة، وخصوصا أن سلسلة تقارير أمريكية ودولية عممت مخاوفها من مخاطر هذه الحالة. ويرى المستثمرون أن لا شىء يزعجهم أكثر من «الغموض»، والفيدرالى ليس فى موقع يمكنه أن يمنحهم «اليقين». وهو يترقب باهتمام كبير نتائج نهج ترامب فى سياسته التجارية، والذى أطلق عليه «اللايقين الاستراتيجى»، فى إشارة إلى أن إبقاء الأطراف المقابلة على جهل بالهدف النهائى المنشود لأمريكا، يمكن أن يساعد فى الحصول على صفقات أفضل.لكن يبدو أن هذا التوضيح لأهمية «اللا يقين الاستراتيجى» لم يقنع المستثمرين الذين بدأوا يدركون أنهم معرضون بشكل مفرط للأصول الأمريكية، علما أن المستثمرين الأجانب يمتلكون نحو 31 تريليون دولار، موزعة بين 19 تريليون دولار فى الأسهم الأمريكية، و7 تريليونات فى سندات الخزينة، و5 تريليونات دولار فى سندات الشركات.وفى مذكرة بحثية من ضمن توقعاته نصف السنوية، حذر محللو بنك «جى بى مورغان» من أن السياسات التجارية الأمريكية قد تتسبب فى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمى، وفى زيادة معدلات التضخم فى الولايات المتحدة، ما يرفع احتمالية حدوث ركود اقتصادى خلال النصف الثانى من العام الحالى إلى 40 فى المائة. • • •مع تراجع «الثقة» بالدولار، تشهد أسواق المال عمليات بيع مكثفة للأصول الأمريكية، بما فى ذلك السندات والأسهم، بحيث لم تعد سندات الخزانة الأمريكية ذلك «الركن المكين» الذى يطمئن الأسواق، ويرسو النظام المالى العالمى على ضفافه، بل بات مصدر ارتباك وتوجس، ومحورا لأسئلة وجودية تهز «ثقة» المستثمرين وصناع القرار على حد سواء؛ إذ أحدث ذلك شروخا فى بنية الاقتصاد العالمى، وكشفت أزمة العام 2024 -2025، عن عطب هيكلى عميق، ليس فى إدارة الدين الأمريكى البالغ نحو 36.2 تريليون دولار، والذى تمثل سندات الخزانة منه نحو 29 تريليون دولار فحسب، بل فى الفرضية التى قامت عليها الهيمنة المالية الأمريكية منذ اتفاقية «بريتون وودز». مع العلم أن هذه السندات تعد الدعامة الأساسية للنظام المالى العالمى، والملاذ الآمن على مدى عقود، يلوذ به المستثمرون فى أوقات الأزمات، والمقياس الذهبى للديون السيادية، والحجر الأساس لسوق رأس المال العالمية. ولذلك أطلق بعض الاقتصاديين على ما يحدث حاليا عبارة «الصدمة الكبرى لسندات الخزانة»، وهى ليست مجرد أزمة تقلبات فى السوق، بل أزمة هيكلية وجيوسياسية. وقد اجتمعت العجوزات المالية المتفاقمة، والانقسام السياسى الأمريكى، وتراجع «ثقة» المستثمرين العالميين، لتدفع بعوائد هذه السندات إلى مستويات غير مسبوقة، وتطلق نقاشا جادا بشأن مستقبل الدولار، باعتباره عملة احتياطية عالمية.ويرى مراقبون أن الاضطرابات فى مزادات السندات، وهروب رءوس الأموال، والتساؤل عن جدوى استمرار الدولار عملة احتياطية، هى كلها مؤشرات تشير ليس إلى مجرد مخاوف عابرة، بل إلى نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة. مع الإشارة إلى أهمية تحول الأموال من بيع السندات إلى شراء «الذهب» وهو أهم ملاذ آمن للمستثمرين وللبنوك المركزية فى العالم، التى اشترت فى العام الماضى أكثر من ألف طن لدعم احتياطياتها. ووفق تقرير لمجلس الذهب العالمى، سجلت صناديق الذهب المتداولة عالميا تدفقات بقيمة 86 مليار دولار فى شهر مارس الماضى، أى ما يعادل 92 طنا، وشكلت الصناديق المتداولة فى أمريكا الشمالية النصيب الأكبر من التدفقات العالمية بنسبة 61 فى المائة، تلتها أوروبا بنسبة 22 فى المائة، بينما أسهمت آسيا بنحو 16 فى المائة من إجمالى الاستثمارات. وبلغت التدفقات خلال الربع الأول من العام الحالى 226 طنا بقيمة 210 مليارات دولار، وهو ثانى أعلى مستوى ربع سنوى فى التاريخ من حيث القيمة الدولارية.وهكذا، فإن الحروب التجارية الحالية التى تقودها الولايات المتحدة، ليست مجرد خلافات فى الرسوم الجمركية، بل تعبر عن تحولات استراتيجية فى العلاقات الاقتصادية الدولية، تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، وتدلل تطوراتها على تحول جوهرى فى شكل النظام التجارى الدولى. ومع صعود السياسات الانعزالية، يتجه العالم نحو التحالفات الانتقائية، لا إلى القواعد العالمية الموحدة. ومن خلال تحليل آثارها على النمو والسياسة النقدية والاستقرار الإقليمى، يتضح أن هذه الأزمة تضع الاقتصاد العالمى أمام اختيار حاسم، ما يعيد إلى الأذهان نظام ثلاثينيات القرن الماضى، حين أدى تفكك التعاون التجارى إلى تسارع الانهيار الاقتصادى العالمى.
مقالات اليوم عماد الدين حسين أخطر دروس قضية دلجا بسمة عبد العزيز المَنفَى محمد العجاتي تصدعات النظام الدولى.. أزمة بنيوية أم نهاية مرحلة؟ ليلى إبراهيم شلبي حاجة حلوة! محمد زهران التكنولوجيا والتعليم.. علاقة ملتبسة تحتاج تفكيرا محمود قاسم حياتى عذاب أسامة غريب فريق موسيقى فى القطب الشمالى صحافة عربية مشكلات المؤرخين النفسية
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك