x قد يعجبك أيضا

‎المَنفَى

الجمعة 29 أغسطس 2025 - 8:15 م

‎فى حكاياتِ من عاشوا عمرًا مديدًا رواية أو أخرى عن مكان سكنوه؛ وكان فى وقته بمنزلة منفى. صحراء لا يحدُّها شيء ولا يُرى فيها حيٌّ. رمالٌ مُمتدَّة بلا عمران ولا حتى نبات. مَشارف هليوبوليس كانت ذات يوم صحراء؛ سَمعت من جدَّتى عن ظروفِ زواجها ومَجيئها لتقطن هذا المكانَ المُوحِش بنهاية خط مترو البارون إمبان، ونهاية الكَّون بالنسبة لها. أحسَّت أنها صارت مَعزولة، وأن الأهلَ والأقرباءَ فى العباسية وضواحيها باتوا بعيدين عن العين والخُطوة. شقَّ عليها الفُراق؛ وكأنها سافرت واغترَبت. مرَّت السُّنون وأحاطت ببيت جدَّتى بناياتٌ كثيرة أحدَث، وأكثر ارتفاعًا وضخامة. امتلأت الصحراءُ كما لم يكن متوقعًا وغدت مَصدرَ إزعاج. مؤخرًا تحول المَنفى النائى الذى بات عمارًا إلى مكانٍ يَدعو للفِرار بحثًا عن الراحة المفقودة؛ لكنها لم تكن بيننا لتعلق على الحالِ، وتلقى كعادتها بأمثولةٍ أو حِكمة.
• • •
‎المَنفَى اسمُ مكان من الفعل نَفي، الفاعلُ نافٍ والمفعول به مَنفيّ والمصدر نفْيٌ بتسكين الفاء. تقول القاعدة اللغوية الشهيرة إن نفيَ النفيِ إثباتٌ، وثمَّة قاعدة أخرى ضابطة؛ تقرّر أن "لا" الناهية تجزمُ الفعلَ بينما تتركه "لا" النافية مرفوعًا. تعلمنا عديد القواعد فى المدرسة؛ لكن القارئ للصُّحف والمُتابِع لوسائلِ التواصُل والإعلام؛ يتأكد أن التعليمَ يذهبُ هباءً، وأن المعلوماتِ سُرعان ما تتهدَّم على الألسنة وأسِنَّة الأقلام.
• • •
‎الحبّ فى المنفى؛ رواية صدرت فى منتصف التسعينيات للراحل بهاء طاهر، حاملةً هُمومَ صحفيٍّ ناصريّ الهوى، يُغادر إلى أوروبا ضيقًا بالتطورات السياسية خلال فترة الثمانينيات، ويعانى أزماتٍ مُتعدّدة على مستوى العاطفةِ والانتماءِ والمِهنة أيضًا. الروايةُ عاكسةٌ لأزمة مُتكررة يعيدها تاريخنا وإن اختلفت التفاصيلُ، والسَّرد المُتفرّد يُجدّد الآلام.
• • •
‎مهمًا كان المَنفى مَوضِعًا حسنًا، فيه من الجَّمال ما يَخلبُ الألبابَ؛ إلا أنه يبقى إبعادًا للإنسان عن أرضِه وحِرمانًا من صِلاته، واجتثاثًا من جُذوره. يُعانى كثيرون مِمَن اضطرتهم الظروفُ لمُغادرة الوطن بسبب التضييق والقَّمع؛ من حنينٍ غامر وصراعٍ داخليّ شائك؛ فإما بقاءٌ فى الغُربة المُقِضَّة المُوجِعة، أو عودةٌ لغُربةٍ أشدّ مَحفوفَة باحتمالاتِ الإيذاء والتنكيل.
• • •
‎تدفنُ الدولُ الغنية نفاياتِها فى أراضى قريناتِها الفقيرة، كذلك تتخلَّص الدولُ المُتقدمة من الصناعاتِ المُلوّثة للبيئة بنفيها وإبعادها إلى الدولِ النامية. تتلقى البلدانُ المُضيفة مُقابلًا مُغريًا ولا تلقى بالًا للأضرار المُتوقَّعة، وحين يقام مصنع قادر على بثّ السُّموم فى نطاقه وإصابة البشر بأمراض متباينة، تصحبه مظاهر الاحتفال والاحتفاء؛ وتتوالى الإشادات بآيات التطوَّر والتقدَّم واحتضان التكنولوجيا الحديثة. العلاقةُ بين الطرفين -الفاعل والمفعول به- حافلة بعلامات العبوديَّة القديمة، ورغم الثوبِ اللامع؛ فإن مشاعر التفوُّق والاستحقاق المُتعالية لم تغادر بعد مَواضِع السَّيطرةِ والتحكُّم، ولا ريب أن تغيُّر الحال مَقرونٌ بتغيير المواضع وربما تبادلها.
• • •
‎من حقّ كلّ شخص أن ينفيَ عن نفسه تهمةً رماه بها آخر؛ بينما تقع على عاتق هذا الآخر مُهِمَّةُ إثباتِها؛ إذ البينةُ على مَن ادَّعى؛ لكن الأمرَ لا يمضى دومًا على هذا المنوال.
• • •
‎أدواتُ النفى وفيرةٌ متنوعةٌ؛ وقد تأتى مُدجَّجة بأساليب التوكيد مَشفوعة بسياقٍ صَارم؛ مع هذا قد يضحدها الواقعُ، ويؤيد ما حاوَلت إنكاره. نَفت بعض حكوماتُ العربِ ضلوعَها فى إبادة غزة، وراحت تندّد بما يقع من أفعالٍ وحشيَّة؛ يرتكبها جيشُ الاحتلالِ على مرأى ومَسمَع من الجَّميع. النفيُ حاضرٌ فى الخطاب غائبٌ على الأرض، تتداوله الألسنةُ ويكذّبه الفعل؛ فمِن أمَّة العرب مَن يتاجر مع العدوّ ويمدُّه بالغذاء، ومنها مَن يُسهّل له مُهمَّته ثم يعاود النفيَ والانتحاب؛ تلك دموع التماسيح إذ هى تلتهم الفريسة، ولا عزاء لمن ظنَّ خيرًا بتمساح.
• • •
‎جزيرةُ سيشيل ومالطة أشهر المنافى التى أُبعِد إليها سعد زغلول خلال نضاله من أجل تحرير البلاد، وفى غيبته راح الناسُ يترنَّمون باسمِه من خلال الأغنية الشهير "يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح" التى لحَّنها سيد درويش ووضع كلماتِها بديع خيري؛ نكايةً فى المُحتل ومراوغة لعسَفه وممنوعاته.
• • •
‎يقول الشاعرُ فى رثاءِ حاله: عبثٌ طوافى فى البِلاد.. وعِلةٌ فى عِلةٍ مَنفاى لا استشفاء. ثمَّة منفى إجباريّ وآخر اختياريّ؛ الأول يُساق إليه الواحد قسرًا؛ ويمثل نوعًا من العقاب والتكدير، أما الثانى فيقصده المرءُ طوعًا ما ضاقت به الحياة وتأزمت. اختيار النفى الذاتى عاكسٌ لسوء الحال، موقفٌ اعتراضيٌّ صريح من المجتمع بكل ما فيه ومن فيه، كثير الناسِ يشعرون اليوم باغتراب عن مُحيطهم رغم وجودهم فى المكان ذاته؛ والملحوظ أن قيمًا عدة قد اختلَّت وأن مفاهيم متنوعة قد فقدت معانيها، وأن من تربى ونضج قبل أعوام مضت؛ بات فريدَ السِّمات فى أيامنا هذه.
• • •
‎اعتدنا أن نتلقى من بعض المسئولين نفيًا مباشرًا وسريعًا ما انتشر خبر مزعج. النفى هو رد الفعل الأول التلقائي؛ يليه التفكير فى الموقف، ثم استدراك الأمر والدفع بالاحتمالات المختلفة، وكثيرًا ما يثبت فى النهاية أن الخبر كان صحيحًا؛ إنما هى الرغبة العميقة فى إبعاد أى مشكلة وادعاء عدم صحتها؛ ثقافة الهرب لا المواجهة، والتنصل من المسئولية لا تحملها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2025 - جميع الحقوق محفوظة