التكنولوجيا والتعليم.. علاقة ملتبسة تحتاج تفكيرا
الجمعة 29 أغسطس 2025 - 8:25 م
هل التكنولوجيا دائما مفيدة فى مجال التعليم؟
هل للتكنولوجيا أضرارًا على العملية التعليمية؟
هل دور المدرس أو الأستاذ سيختفى؟
كلما ظهرت تكنولوجيا جديدة يبدأ الناس فى دراسة إمكانية الاستفادة منها فى مجالى ريادة الأعمال والتعليم على وجه الخصوص، ريادة الأعمال تغذى الاقتصاد والتعليم يغذى العقول، كلما كانت التكنولوجيا مبهرة للناس كلما زادت الرغبة فى استخدامها اعتقادًا بأنها حل سحرى سيأتى بالمعجزات. اليوم سنتكلم عن التكنولوجيا والتعليم، هو موضوع كتب فيه الكثيرون من قبل ومنهم كاتب هذه السطور، لكننا لا نستطيع أن نقول إنه قُتل بحثًا لأن هناك الكثير من الأسئلة التى لم نجد لها إجابة بعد. إثارة تلك الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها، ومناقشة تلك الحلول سواء بدحضها أو تأييدها مفيد وسيقود لحلول ناجحة فى النهاية.
الفصل الدراسى على الأبواب، والجامعة التى أعمل بها تسمح للطلاب باستخدام برمجيات الذكاء الاصطناعى للمحادثة مثل (Chat GPT)، كيف سنقيم التقارير والأبحاث التى يسلمها الطلاب ونحن نعلم أنهم يستخدمون تلك البرمجيات؟ الجواب ليس سهلا ولا توجد إجابة قاطعة عليه بعد، لذلك أعتبر هذا المقال مشاركة القارئ الكريم فى التفكير.
سنناقش العلاقة بين التكنولوجيا والتعليم من جهتين: استخدام التكنولوجيا فى العملية التعليمية، وتدريس التكنولوجيا.
...
السؤال السهل: ما الفائدة المرجوة من استخدام التكنولوجيا فى العملية التعليمية؟
إذا تغاضينا عن استخدام التكنولوجيا فى العملية التعليمية من باب «المنظرة»، كى يقال إننا نواكب التطور، فإن التكنولوجيا لها فوائد لا يمكن إنكارها. لا يمكننا كتابة قائمة بكل الفوائد لأن كل فترة ومع ازدياد خبراتنا فى استخدام التكنولوجيا نجد فوائد واستخدامات جديدة، لكن لنعطى بعض الأمثلة:
• الذكاء الاصطناعى يمكنه أن يعمل كمدرس خصوصى لكل طالب، لا يكل ولا يمل، ويعطى المعلومة للطالب بالطريقة والسرعة المناسبة لهذا الطالب، بدلا من الأستاذ فى قاعة المحاضرات الذى يعطى المعلومة بنفس الطريقة والسرعة لكل الطلاب. كل طالب له سرعة استيعاب، وطريقة استيعاب، فهناك من يفضل التعلم عن طريق الاستماع، وآخر عن طريق المناقشة، وثالث عن طريق الكتابة إلخ.
• استخدام التكنولوجيا يساعد على جمع كم كبير من البيانات، عندما نجمع ونحلل تلك البيانات عن الطلاب وسرعة استيعابهم وطريقة تعلمهم ودرجة فهمهم إلخ فإننا نستطيع تحسين العملية التعليمية وزيادة كفاءتها.
• برمجيات الذكاء الاصطناعى يمكنها وضع أسئلة الامتحانات وتصحيحها، لكن هذا يجب أن يتم تحت إشراف المدرس أو الأستاذ، على الأقل فى الوقت الحالى ومع الجيل الحالى لبرمجيات الذكاء الاصطناعى.
هذا عن الجانب الإيجابى، ماذا عن الجانب السلبى الذى يغفل الكثيرون عن التحدث عنه؟

...
السؤال الأصعب: ما أضرار ومصاعب استخدام التكنولوجيا فى العملية التعليمية؟
أى شىء من صنع الإنسان لابد له من أضرار كما له من مميزات، لكل شىء آثار جانبية، وفى بعض الأحيان تكون الآثار الجانبية أكثر حدة من المميزات، فما الذى نخشاه عند استخدام التكنولوجيا فى العملية التعليمية؟
• استخدام التكنولوجيا يحتاج «إنترنت» سريعا ومتواصلا وأجهزة كمبيوتر إلخ، هناك أماكن كثيرة لا تمتلك تلك الموارد أو لا تمتلكها بشكل مستمر أو جودة عالية، وبالتالى ستساعد التكنولوجيا على اتساع الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون.
• الأساتذة يعانون من ضعف المرتبات، وبالتالى يضطرون للعمل فى عدة وظائف حتى يتمكنوا من إعالة أسرهم، استخدام التكنولوجيا يحتاج وقتا وجهدا من الأساتذة كى يتعلموه قبل أن يستخدموه، فمن أين سيأتون بهذا الوقت؟
• سواء شئنا أم أبينا فإن التكنولوجيا فى أغلب الأوقات تؤدى إلى تشتيت الذهن، وتقليل الانتباه، فهل هذا ما نريده لطلابنا؟
• إذا سلمنا بأن استخدام الطلاب لبرمجيات الذكاء الاصطناعى سيصبح واقعا لا نستطيع منعه، فإن هذا يستلزم وضع طرق جديدة لتصحيح الأبحاث المقدمة من الطلبة. تصحيح بحث كتبه الطالب بنفسه دون مساعدة يختلف عن تصحيح بحث استخدم فيه الطالب برمجيات الذكاء الاصطناعى.
لا توجد إجابات نهائية أو حلول ناجحة بعد لتلك الصعوبات، لكن أهم عنصر فى الحل الناجح هو المدرس أو الأستاذ.

...
الأستاذ أو المدرس فى عصر التكنولوجيا المتقدمة
هل سيختفى دور الأستاذ؟ أو يقل أهميته؟ رأيى الشخصى أن ذلك لن يحدث، لكن ستتغير طبيعة عمل الأستاذ، الأستاذ سيهتم أكثر بالنقاش مع الطلاب، البرمجيات ستعطى المادة العلمية، لكن الأستاذ والطلبة سيناقشونها ويطرحون أسئلة كثيرة عن تلك المادة العلمية وأهميتها وعلاقتها بالمواد العلمية الأخرى. أى إن دور الأستاذ سيكون تنمية التفكير النقدى عند الطلاب وتطبيقه على المادة الدراسية، هذا طبعا مع الإشراف على التصحيح وإعطاء النتيجة بمساعدة التكنولوجيا المتوفرة.
نأتى الآن للجهة الأخرى من العلاقة بين التكنولوجيا والتعليم وهى تدريس التكنولوجيا.
...
تدريس التكنولوجيا: لمن؟ وما هو الهدف؟
يجب أن نضع فى الاعتبار نقطتين:
• الجيل الجديد أكثر تقبلا للتكنولوجيا واستخدامها من الأجيال السابقة.
• التكنولوجيا تتطور وتتغير بمعدل سريع جدا، كنا نحذر الطلاب فى أول فصل دراسى لهم أن ما يدرسونه فى السنوات الأولى قد يتغير أو يصبح غير ذى قيمة عند تخرجهم.
هذا معناه أننا يجب أن نبدأ تدريس التكنولوجيا للأطفال ولا ننتظر حتى المرحلة الجامعية، تدريس الذكاء الاصطناعى لتلاميذ المرحلة الابتدائية ليس بالشىء المستبعد، هناك بعض الدول بدأت فعلا فى ذلك.
يجب أيضا أن نكون على استعداد لتطوير، بل وتعديل محتوى المواد الدراسية المتعلقة بالتكنولوجيا كل فصل دراسى، لذلك يجب إزالة العقبات البيروقراطية أمام تعديل المناهج.
...
هذا المقال أثار أسئلة أكثر مما أعطى إجابات، لكن استخدام التكنولوجيا فى العملية التعليمية مازال فى مهده، ومن المتوقع أن يتم تجربة الكثير من الأفكار، ومن المؤكد أن بعضها أو أغلبها ستفشل، لكن المهم هو الآتى:
• لا يجب أن نخجل من الاعتراف بالفشل خوفا من فقدان الوظيفة أو التوبيخ، المهم هو شرح التجربة، والأهداف المتوقعة، والأسباب التى أدت إلى عدم تحقيق تلك الأهداف، وما التوصيات. هكذا تتكون حصيلة من التجارب تؤدى فى النهاية إلى الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا.
• لا يجب إدخال التكنولوجيا فى العملية التعليمية فقط من باب «المنظرة» كى نقول إننا نستخدم التكنولوجيا. إذا لم نكن نملك رؤية واضحة للأهداف (أى يمكن قياسها) التى نطمح أن تحققها التكنولوجيا، فمن الأفضل للأساتذة والطلاب ألا نستخدم التكنولوجيا.
• يجب أن نزيل كل العقبات البيروقراطية أمام تغيير المقررات الدراسية، التكنولوجيا تتقدم وبالتالى قد يكون من المهم تحديث بعض المقررات كل فصل دراسى، فإن كان تغيير المحتوى يتطلب مجلس قسم، ثم مجلس كلية، ثم لجانا فرعية إلخ فلن يحدث أى تحديث.
فى خضم كل هذا التقدم التكنولوجى يجب ألا ننسى أن التكنولوجيا فى النهاية هى أداة، الإنسان هو المهم، والإنسان هو العقل والصحة والحياة الكريمة إلخ.

مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا