لا يوجد أسوأ من وصف مرحلة بأنها «انتقالية» فى السياسة، إلا وصف مرحلة بأنها «عابرة» فى الاقتصاد. فعادة تُطلق مثل هذه الصفات للتهوين من آثار سلبية لتطورات يشهدها المجتمع، بقدر محدود من المعرفة بمسارات التغيير وماهية وتوقيت نهايات تلك المراحل الانتقالية أو العابرة، وبدايات مرحلة جديدة يفترض أنها ستكون أفضل حالاً.وقد جاء ذكر كلمة عابرة بتكرار فى المرحلة الأخيرة على لسان رئيس البنك الفيدرالى الأمريكى جيروم باول بداية من عام 2021، إبان الصعود المتوالى لمعدلات التضخم بسبب زيادات أسعار المستهلكين بشكل غير مسبوق منذ أربعين سنة، بفعل ارتباك سلاسل الإمداد وأثر زيادة التيسير النقدى بالغ السخاء للتعامل مع آثار الجائحة. وقد سبب هذا الوصف تأخر التصدى للتضخم بما يستوجبه من تقييد للسياسة النقدية فى التوقيت الاستباقى المناسب، ما دفع البنك الفيدرالى إلى اللجوء بعد ذلك لإجراءات أكثر تشددا وعنفا برفع متوالٍ لأسعار الفائدة لاحتواء التضخم قبل خروجه عن السيطرة، حتى استجاب للإجراءات بعد عنت وتكلفة باهظة. ولم تسلم من أضرار هذه الإجراءات بلدان نامية تقلبت أسعار الصرف فيها، واشتعلت خدمة الديون ارتفاعا، كما تراجعت الاستثمارات والنمو لزيادة تكلفة التمويل.وبعد الاجتماع الأخير للبنك الفيدرالى، الذى انتهى بتثبيت أسعار الفائدة من دون تغيير، وصف رئيس البنك الفيدرالى التضخم الذى قد ينجم بسبب إجراءات زيادة التعريفة الجمركية بأنه «عابر». وبالتالى لن يعدل البنك الفيدرالى من خططه بشأن أسعار الفائدة التى ما زالت الأسواق بين أمل وتوقع أنها ستنخفض بمقدار نصف نقطة مئوية عن مداها الحالى وهو 4.25 و4.5 فى المائة. ومع عودة المخاوف من الركود التضخمى حيث تزامن ارتفاع توقعات التضخم مع تخفيضات متوالية لتنبؤات نمو الاقتصاد الأمريكى لعام 2025 إلى 1.7 فى المائة نزولا من 2.8 فى المائة العام الماضى، كما زادت احتمالات تعرض الاقتصاد الأمريكى لركود إلى 35 فى المائة، وفقاً لتنبؤات بنك الاستثمار الأمريكى جولدمان ساكس. فتخفيض أسعار الفائدة، إن حدث، سيكون لاستنقاذ الاقتصاد الأمريكى من هوة الركود، أكثر من كونه ارتياحا للاستقرار النقدى وانخفاض معدل التضخم نحو الهدف المعلن وهو 2 فى المائة سنويا.إن فى عودة الإجراءات الحمائية شر مستطير يبدأ بالاقتصاد ولا ينتهى عنده، فله تداعيات سياسية واجتماعية وأمنية شهدتها سابقا، منذ عهد الميركانتيليين فى القرنين السابع عشر والثامن عشر بإجراءاتهم المقيدة للاستيراد والتصدير، وما يستتبعها من حروب تجارية. ولم يكن العود أبدا لتلك الإجراءات الحمائية الميركانتيلية أحمد، فهكذا أنبأتنا الإجراءات التى اتبعتها الولايات المتحدة منذ مائة عام بعدما ضاق مزارعوها بفوائض المنتجات الزراعية الأوروبية ففرضت تعريفة جمركية على الواردات منها، فطالب المصنعون بحماية مماثلة حتى فرضت بقوة التشريع، فيما عُرف بقانون سموت ــ هولى، نسبة لنائبَى الكونجرس اللذين تبنياه فى عام 1930. وانتشرت مثل هذه الأفعال المناوئة للتجارة حول العالم مستهدفة إلحاق الأذى بمن صاروا غرماء فى التجارة بعدما كانوا من الشركاء. ربما اختلف المحللون الاقتصاديون حول ميكانيكية الفعل ورد الفعل لهذه الإجراءات، وهل أدت وحدها إلى الكساد الكبير الذى لم يخرج منه العالم إلا بكارثة الحرب العالمية الثانية. ولكن من المحسوم أن التجارة الدولية تقلصت بمقدار الثلثين؛ وزعزعت هذه الإجراءات مقومات التعاون الدولى، وأشعلت التوتر السياسى بين الدول بما يتجاوز أى حلول منطقية سلمية للخلافات بينها، ما أسهم فى تهيئة أجواء للصراعات التى انتهت بالحرب العالمية الثانية.وها هو لارى فينك الرئيس التنفيذى لأكبر بيت مالى لإدارة الأصول فى العالم يحذر مساهميه فى خطاب مفتوح من أن «الحمائية قد رجعت بكامل قوتها»، وأن الناس قد أمسوا «أكثر انزعاجا من الاقتصاد مقارنة بأى وقت نتذكره». وليس مستغرباً فى ظل هذه المربكات المتلاحقة أن يتساءل عموم الناس عن مستقبل الأسواق المالية فتأتى الإجابات متضاربة، معلقة التحسن بشروط تتنافى مع اشتعال الحمائية الراهنة. كما يتساءلون عن مستقبل الدولار فيكون الرد بأنه ما زال العملة الدولية، أو كما أطلق عليه الاقتصادى الأمريكى جيفرى فرانكل منذ 30 عاماً أنه «لينجوا فرانكا»، أى لغة التواصل المشترك، وقبل أن تستريح للإجابة يعاجلك فرانكل نفسه بمقال كتبه منذ أيام بأن ما نشهده من إجراءات قد ينهى سيطرة الدولار. وعندئذٍ لا تتعجب من بدائل تبرز عمليا سأناقشها فى مقال قادم.يتصور الهائمون فى بحار الأمانى، والمتعلقون بالحبال «الدائبة» من المفرطين فى التواكل، أن ما يتوالى من ضربات متعمدة للاقتصاد العالمى إلى زوال من دون آثار تتركها، فهى ستتبدد حتما فى ظنهم بعد انتخابات نصفية للكونجرس. وإن طال أمد ما يحدث فلن يتجاوز، فى اعتقادهم، الانتخابات الرئاسية لعام 2028؛ وكأنهم موقنون بفوز مخلصين حكماء يشملون العالم بالعدل والرخاء المشترك.فما يحدث ليس مجرد دورة سياسية أو حالة موسمية اقتصادية ستتبدل مع الدوران السريع أو تبدل موسم بآخر غيره. وهو أيضا ليس تغيرا هيكليا قد تصلحه عملية إعادة الهيكلة بسياساتها المتعارف عليها فى جوانب العرض أو محددات الطلب. ولكنها تغيرات نظامية حادة تصرخ، بعدما اكتفت بالتلميح والإشارات لسنوات طوال، بأن ما اصطلح على تسميته بـ«النظام العالمى» والمعمول به منذ الحرب العالمية الثانية، بأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية قد انتهى عمليا. وقد يكون فيما يجرى فرص طال انتظارها لعالم الجنوب، إن أحسن عملاً.
نقلا عن جريدة الشرق الأوسط
مقالات اليوم محمد المنشاوي ترامب وإسرائيل ومكارثية أمريكية جديدة نيفين مسعد عقاقير محرّمة أيمن النحراوى تدشين اليوان الصينى الرقمى.. ونهاية عصر الدولار الأمريكى صحافة عربية «اليوم التالى» كما يراه نتنياهو.. هجرة «طوعية» واحتلال دائم
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك