x قد يعجبك أيضا

قال ٤ تحت الصفر

الخميس 26 مارس 2026 - 8:10 م

قالت لى ابنتى ببراءة شديدة: اليوم الجو مناسب تمامََا للخروج والفُسحة.. درجة الحرارة ٤ تحت الصفر.. ياللا نخرج ! لم تكن ابنتى تمزح فيما قالته- وأنا بدورى لم أكن أمزح حين علّقت عليها قائلة: ٤ تحت الصفر.. بس؟ لم تأخذ خوانة وأومأت برأسها مؤكدة: آه بس الحمد لله. وطبعًا الحمد لله الذى لا يُحمد على مكروه سواه، لكن هذا الحوار القصير يشرح كم هى الأمور نسبية وتختلف النظرة إليها من شخص لآخر، حتى أن ما تراه ابنتى جوًا مناسبًا للخروج والفُسحة أراه أنا صقيعًا موجبًا للاختباء والكمون فى البيت مع مشروبات تشيع الدفء اللذيذ. هذه النسبية نفسها هى التى خلقَت تناقضًا عجيبًا بين أزياء ركّاب الطائرة المتجهة من القاهرة لتورونتو. بعض المسافرين بدا مدججّا بملابس شتوية ثقيلة جدًا وكوفيات وجوانتيات صوفية سميكة وأحذية طويلة مبطّنة بالفراء، أما البعض الآخر فكان يرتدى تيشرتات خريفية نصف كم مع معاطف خفيفة على سبيل الاحتياط وأحذية عادية جدًا لا تخلو من الأناقة. وكان المشهد فيه من المفارقة ما جعلنى أتصور أنه لولا علمى التام بأن الرحلة ستتجه مباشرةً إلى كندا لظننت أن الفريق الثانى من الركّاب سينزل ترانزيت فى إحدى مدن البحر المتوسط التى تحتمل هذا النوع من المزاح مع الجو. أما أن نتجه معًا إلى نفس الوجهة.. فصعب.
• • •
النظرة النسبية للأمور هى وليدة القدرة على التكيّف مع البيئة التى ننشأ فيها ونتربّى على عاداتها، والمصريون بشكل عام لم يتعوّدوا على البرد الشديد ومن باب أولى على الصقيع، وفى التراث الشعبى العديد من الأمثلة التى تحتفى بالدفء وتنفّر من البرودة "برد طوبة يخلى الشابة كركوبة". ثرموستات المصريين لا يحتمل أكثر من ٧ أو ٨ درجات فى أمسيات الشتاء مع بعض الأيام الماطرة التى تجعلنا نشفق على أولادنا ونتساءل عما إذا كانت المدارس شغّالة أم لا!. أنا من عشّاق هذا النوع من الشتاء فله رهبة ورجفة وغموض، وفيه نظافة وطزاجة وحيوية. تفسح لياليه الطويلة المجال أكثر أمام السهرانين، وتتجلّى فى وصفه عبقرية صلاح چاهين حين يعترف بأن صحيح حاجات كتير بتموت فى ليل الشتا لكن حاجات أكتر بترفض تموت. رفض الموت هو نوع من المقاومة أحبه لأن الحياة تستحق أن نقاوم من أجلها حتى نظل على وشّ الدنيا.
• • •
لكن تفضيل الشتاء شىء والحياة فى ظل أى درجات حرارة تحت الصفر شئ آخر مختلف تمامًا. لا يوجد فرق لدى أمثالى من البشر بين ١ تحت الصفر و٢٠ أو حتى ٣٠ تحت الصفر. وقراءة عدّاد الحرارة نزولًا عن الواحد الصحيح بالنسبة لنا لا تعنى شيئًا كبيرًا على الإطلاق، فالمشكلة الأساسية تكمن فى الصفر نفسه. البياض الذى يلّف المدن مع درجة حرارة تحت الصفر يشيع إحساسًا عميقََا بالكآبة، وبالكاد ينجح هذا السنجاب البنّى اللطيف الذى يمرق كالسهم وسط الجليد- محتميًا بفرائه الكثيف - فى رسم شبح ابتسامة على الوجوه "الضحك قال يا سمّ ع التكشير أمشير وطوبة وأنا ربيعى بشير". مرة ثانية وثالثة ورابعة صلاح چاهين.. ولم لا، هل مرّ بنا مَن هو أبسط منه وأعمق؟. يتحرك السنجاب البنّى فى إطار لوحة ساكنة ساكتة صمّاء،وهو بلونه المختلف يكسر حدة اللون الأبيض، وكأن فنانًا قرّر إذ فجأة أن يشد الانتباه فى اتجاه آخر، هكذا يفعل مصطفى رحمة بقططه التى تلازم معظم لوحاته البديعة، فبينما أنت غارق فى تفاصيل الهوانم بأزيائهن المبهجة وفرائهن الوثير تفاجئك قطة تتجوّل هنا أو هناك.
• • •
أكثرنا يحب اللون الأبيض ويعتبره اللون المفضّل للقلوب والنفوس والزهور والصباحات والسنين والليالى والأخبار والتاريخ والصحف، ففلان قلبه أبيض ونيته سليمة وصحيفته بيضاء، والنهار الأبيض والليلة البيضاء هما الممتلئان بالخير والمقترنان بالخبر السار الأبيض، والزهور البيضاء رمز النقاء، أما القرش الأبيض فينفع فى اليوم الأسود، وكذبنا نلجأ لوصفه بالبياض تخفيفًا للوزر ومنعًا للحرج. اللون الأبيض هو لون فستان العروس فى ليلة العمر، وهو لون اللفافة التى نستقبل بها المولود مع أول واء تصدر عنه. وهو مقياس الجمال عند الكثيرين والملهم لمئات المقارنات الشِعرية بينه وبين السمار: قالوا البياض أحلى والا السمار أحلى. وهو مقياس النقاء العنصرى عند اليمين الصاعد، وترامب فى هذا ليس وحده وإن يكن الأكثر فجاجة بين الجميع.
• • •
وعلى الجملة، فإن الأبيض هو لون حلو بذاته، لكن لكل قاعدة استثناء، واقترانه بالصقيع وركام الجليد جزء من استثناءاته.ليس كل سكان الدول التى تنخفض فيها درجات الحرارة إلى ما تحت الصفر- هم من ممارسى التزلج على الجليد الذين ينتظرون تساقط الثلوج بفارغ الصبر فى كل شتاء، فهذه الرياضة لها ناسها وطبقتها الاجتماعية وصحتها ومهاراتها الخاصة. وفى مقابل أولئك الذين يغرسون عصيانهم الرياضية فى الجليد لينزلقوا من قمة جبل الجليد إلى سفحه، يوجد آخرون يغرسون عصيانًا من نوع آخر يتكئون عليها مع تقدمهم فى العمر- ليس يدرون إلى أى أعماق تأخذهم عصيّهم وهى تغوص فى طبقات الجليد فوق الطبقات، وهذا مخيف. ومخيف أيضََا أن تدخل أنت وسيارتك فيما يشبه النفق الجليدى لست تعرف إلى أين ينتهى، ونحن كبشر نحب أن نرى النور فى نهاية النفق.. ونحب أن نرى الأسفلت عند نهاية الجليد. الأشجار العارية والبحيرات المجمدة والضباب السابح فى السماء والسحب الكثيفة تدارى الشمس و تسحب من النهار علامات الحياة فيبدو اليوم كما لو كان يحتضر.
الله الغنى اذن عن الخروج فى درجة حرارة ناقص ٤
• • •
ملحوظة:هذا المقال مكتوب قبل أجازة مدارسنا وجامعاتنا لمدة يومين كاملين بسبب تساقط كثيف للمطر.. وهكذا هى الدنيا: ناس تخاف من بعض زخّات المطر وناس تعتبر ٤ تحت الصفر فرصة عظيمة للفُسحة والخروج.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة