«تحولات» مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
الأربعاء 6 مايو 2026 - 7:55 م
ربما كان الموضوع الأبرز الذى تزايد فى أهميته بشكل تصاعدى سريع وملفت على مدى الأسابيع الماضية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وأصبح بمثابة كلمة السر فى تلك الحرب، وصار له دور محورى ضمن الحديث عن شروط وأجواء وتفاهمات إنهاء تلك الحرب منذ إعلان الوقف المؤقت لإطلاق النار فى 8 أبريل 2026 ثم خلال الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية التى تمت بوساطة باكستانية فى إسلام آباد بعد ذلك مباشرة وأيضًا خلال وعقب التمديد الذى أعلنه الرئيس الأمريكى لوقف إطلاق النار وما يدور حاليًا من مفاوضات غير معلنة، وبالرغم من أن هذا الموضوع لم يكن أصلًا ضمن ما هو مطروح من بنود عندما اندلعت الحرب، سواء كهدف من وراء شن الحرب من جانب الطرفين الأمريكى والإسرائيلى، أو كأحد المطالب الأصلية للطرفين اللذين شنا الحرب فى المقام الأول، كما أن هذا الأمر لم يكن على طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية التى جرت عبر وساطة عمانية، سواء قبيل اندلاع حرب الاثنى عشر يومًا فى يونيو 2025 أو قبيل اندلاع الحرب الأخيرة فى 28 فبراير 2026، وفى الحالتين بوساطة من سلطنة عمان، وبالطبع أشير هنا إلى مسألة مضيق هرمز ومسألة حرية الملاحة البحرية الدولية عبر المضيق، خاصة ما يتصل بالملاحة ذات الأغراض التجارية السلمية.
فقبل شن واشنطن وتل أبيب للحرب الأخيرة على إيران كانت مطالب الطرفين تتراوح بين حد أقصى يتحدث عن إسقاط النظام السياسى القائم فى طهران وإحلال نظام آخر محله يكون متحالفًا مع أو تابعًا للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وحد أدنى يؤكد ضرورة إنهاء البرنامج النووى الإيرانى، وليس مجرد حظر أى توجه عسكرى لهذا البرنامج، وكذلك تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانى، وأيضًا تفكيك شبكة التحالفات الإقليمية الإيرانية مع عدد من التنظيمات والجماعات وفى مقدمتها حزب الله فى لبنان، وحركة حماس وغيرها من الجماعات ذات التوجهات الأصولية الإسلامية فى فلسطين، وجماعة أنصار الله (الحوثيين) فى اليمن وعدد من الجماعات السياسية الشيعية المسلحة المؤيدة لإيران فى العراق مثل «الحشد الشعبى» وغيره. ولم يكن أى أمر متعلق بمضيق هرمز على الإطلاق يُثار من جانب أى من أطراف الحرب قبل اندلاعها أو فى بداياتها، وكان هذا الغياب للمضيق عن قائمة مطالب وأهداف الطرفين منطقى للغاية نظرًا لأنه لم تكن هناك أى مشكلة مثارة فى السابق بالنسبة لحرية المرور فى المضيق قبل اندلاع الحرب الأخيرة.
وبالتالى نخلص إلى أن الصعود السريع لأهمية موضوع حرية الملاحة عبر مضيق هرمز على مدى الأسابيع المنقضية منذ نشوب الحرب وتحوله إلى الموضوع الرئيسى والمحورى على جدول أعمال المجتمع الدولى وليس فقط على جدول أعمال المفاوضات الأمريكية الإيرانية يمثل فى حقيقة الأمر نجاحًا نسبيًا للقيادة السياسية الإيرانية ولاستراتيجية إدارتها للحرب من حيث ما وصلنا إليه من نتائج وأوضاع حتى اللحظة التاريخية الراهنة، وذلك نظرًا لأن الجانب الإيرانى نجح ليس فقط فى إضافة الجانب الأمريكى بند على جدول أعمال المفاوضات مع الجانب الإيرانى يتعلق بالمضيق ومسألة حرية الملاحة فيه، بل إنه ذهب إلى مدى أبعد من ذلك بحيث أنه، ومن الناحية العملية، تحول موضوع مضيق هرمز إلى البند الأول وربما الأكثر أهمية فى أى مفاوضات، سواء مع واشنطن أو على نطاق دولى وإقليمى أوسع لاحقًا، بحيث جذب انتباه الجميع بعيدًا عن موضوعات أخرى كانت تبدو أكثر أهمية قبل بداية الحرب أو فى بدايتها، على الأقل بالنسبة للجانبين الأمريكى والإسرائيلى، وربما حلفائهما، مثل البرنامج النووى أو برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانيين أو شبكة تحالفات إيران الإقليمية.
ولا شك أن دفع الجانب الإيرانى بـ«ورقة» مضيق هرمز إلى قلب الصراع بينها وبين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بأبعاده العسكرية والاستراتيجية والسياسية والإعلامية، وعلى الصعيدين الإقليمى والدولى، كان فى جوهره يعكس سعى طهران الحثيث والجاد والمتواصل لإحداث تعديل ما لصالحها فى لعبة توازنات القوة فى إطار حرب إيران فى مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وذلك عبر بوابة استهداف التوجه نحو معادلة عناصر القوة والتفوق المتواجدة لدى الطرفين الأمريكى والإسرائيلى، وفى ظل وعى وإدراك كامل وعميق لدى الطرف الإيرانى بأنه إذا تم الاكتفاء فقط بتوازنات القوة العسكرية فقد يكون التفوق أقرب للطرفين المهاجمين له: الأمريكى والإسرائيلى، مما كان يستدعى التفكير خارج الصندوق وإدخال عنصر غير تقليدى فى المعادلة تكون الميزة النسبية فيه للطرف الإيرانى، وبالطبع برزت حينذاك دلالات وأهمية ورقة مضيق هرمز، باعتبار أن الجانب الإيرانى لديه بالفعل القدرات، سواء بحريًا أو بريًا، لتحقيق قدر عالٍ من التحكم شبه الكامل على الجزء الأكبر من المضيق، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك فى حالة ما إذا استلزم تطور الأوضاع الميدانية اتخاذ مثل هذا القرار والقيام بمثل هذا التحرك من جانب الطرف الإيرانى.
وكان الجانب الإيرانى هو من أدخل مضيق هرمز فى معادلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من خلال التحكم، عبر توظيف السيطرة الميدانية الإيرانية على مسارات تحرك السفن والناقلات فى المضيق، وكذلك فى ضوء القدرات القتالية للجيش وللحرس الثورى الإيرانى، خاصة فى المجالات البحرية والصاروخية، بالإضافة إلى توظيف المسيرات والطائرات بدون طيار لتعزيز القدرات القتالية الإيرانية، وتم استخدام تلك الأدوات لفرض ما يمكن أن نطلق عليه تعبير «حظر انتقائى» لحركة السفن والناقلات عبر المضيق، بحيث تحول الأمر إلى سلاح فعال ومؤثر فى يد إيران، ليس فقط فى مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بل أيضًا فى مواجهة كل دول العالم تقريبًا التى تعتمد، ولو بدرجات متفاوتة، على مضيق هرمز، ليس فقط لورود نسب مهمة من وارداتها من النفط والغاز، بل وأيضًا نسب مهمة من واردات أخرى حيوية مثل الأسمدة وغيرها، من خلال المضيق.
وقد مكن ذلك إيران من لعب «ورقة» مضيق هرمز للتأثير على مواقف الطرفين المعاديين لإيران فى الحرب، بل ولتعديل وإعادة توجيه سلوكهما العسكرى والسياسى إزاء الصراع معه، بالإضافة إلى ممارسة تأثير أكبر على المواقف السياسية والدبلوماسية من جانب عدد مهم من الأطراف الدولية والإقليمية ذات الثقل والوزن الإقليمى والدولى إزاء الحرب فى ضوء تقدير تلك الأطراف وحساباتها لضرورة الحفاظ على مصالحها وتجارتها المارة عبر مضيق هرمز عند بلورة مواقفها إزاء الحرب، ثم إزاء الإحداثيات والتطورات والفعاليات التى شهدها مسألة مضيق هرمز منذ نجحت إيران فى إدخال المضيق فى معادلة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
وقد سعت القيادة السياسية الأمريكية بدايةً فى مصادرة "ورقة" مضيق هرمز واستخلاصها من يد الجانب الإيرانى ووضعها بيدها بهدف خلط الأوراق وقلب المائدة على الجانب الإيرانى وسحب أحد أهم أوراقه المؤثرة والفعالة خلال الصراع الحالى بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، وذلك من خلال تصعيد الحملة السياسية والدبلوماسية والإعلامية الأمريكية، الموجهة لحلفائها وللمجتمع الدولى، والتى اتهمت إيران بإغلاق المضيق فى وجه الملاحة الدولية، فى سياق مخطط واضح لتعبئة دعم دولى واسع وعريض للموقف الأمريكى على الصعيد الدولى، ولكن الأهم كان هدف محاولة حشد حلفاء واشنطن واستعادتهم مرة أخرى بعد أن فقد الرئيس الأمريكى تعاطف أقرب حلفاء واشنطن فى حلف شمال الأطلنطى (الناتو) وفى أوروبا وكذلك فى آسيا.
ومن هنا جاء النداء الأمريكى للحلفاء، خاصة فى "الناتو" وفى أوروبا وكندا للانضمام إلى عملية لتأمين سلامة المرور الآمن للسفن والناقلات فى مضيق هرمز، ولكن هؤلاء الخلفاء الذين كان الرئيس الأمريكى قال فى بداية الحرب أنه لا يحتاجهم وأن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على الانتصار فى الحرب بدونهم، ولكن مع إسرائيل بالطبع، بل وذهب إلى حد إما السخرية أو توجيه التهديد إلى بعض قادة الدول الحليفة لواشنطن، لم يسرعوا هذه المرة لتلبية ندائه، بل تريثوا وتعقلوا كثيرًا، واتسمت ردود أفعالهم إما بالدعوة إلى إنهاء الحرب بالوسائل السلمية وأيضًا إنهاء الأزمة حول مضيق هرمز عبر السبل الدبلوماسية، أو باشتراط التزام واشنطن بوقف نهائى لإطلاق النار أو بالحديث عن ضرورة مراعاة واتباع مبادئ وقواعد القانون الدولى بشكل كامل وغير انتقائى، ودفعت ردود الأفعال تلك الجانب الأمريكى إلى الاضطرار إلى حشد قواه وشحن قوات له من عدة مصادر، خاصة من أوروبا، إلى مناطق قريبة من مضيق هرمز، بالإضافة إلى تحرك قوات بحرية أمريكية ضخمة إلى مناطق من المضيق بحيث تكون بعيدة عن مرمى النار الإيرانية.
وتزامن ذلك مع الحديث عن احتمال عمليات إنزال لقوات أمريكية للسيطرة على جزيرة «خرج» الإيرانية لإنهاء السيطرة الإيرانية على المضيق، وأيضًا حديث للرئيس الأمريكى، سرعان ما تراجعت عنه الإدارة الأمريكية واعتبرته مؤجلًا، بأن واشنطن ستوفر حماية بحرية وعسكرية أمريكية لكل سفينة تمر عبر المضيق، وتحولت الاستراتيجية الأمريكية لتطالب الحلفاء بأمر أقل من ذى قبل: وهو المساهمة فى نزع الألغام التى زرعتها إيران فى المضيق، بحسب الرواية الأمريكية، ولكن فوجئت الإدارة الأمريكية مجددًا برد فعل دول العالم الأخرى بصفة عامة، وحلفاء واشنطن على سبيل الخصوص، وهو فى أحسن الأحوال كان أيضًا اشتراط وقف نهائى للأعمال العسكرية وتفاهمات تشمل الجانب الإيرانى قبل الانخراط فى مثل هذه المشاركة.
ودفعت تلك الأوضاع الولايات المتحدة الأمريكية إلى تبنى نهج تصعيدى من منظور مختلف ألا وهو محاولة فرض حصار بحرى على إيران وحظر وصول ومغادرة السفن إلى ومن الموانئ الإيرانية التى تمر عبر مضيق هرمز، وهو أولًا إجراء يدخل ضمن التعريفات الواسعة للإجراءات العسكرية، كما أنه ثانيًا يعتبر بمثابة إغلاق انتقائى للمضيق، يشابه فى بعض جوانبه الإغلاق الانتقائى الذى بدأت به إيران إدخال «ورقة» مضيق هرمز فى معادلة صراعها مع واشنطن وتل أبيب، وهو ثالثًا إجراء سبق لواشنطن أن قامت بتجربته منذ أكثر من 60 عامًا فى مواجهة كوبا ولم يحقق نجاحًا يذكر وحصل آنذاك على إدانة دولية واسعة، بما فى ذلك من جانب الأمم المتحدة، باعتبار أنه إجراء يتعارض مع القانون الدولى.
ولا يستطيع أى طرف، بالأدلة الموضوعية، القول بأن الحصار البحرى الأمريكى على إيران حقق أهدافه، فى ضوء تضارب الروايات وتناقضها بين الجانبين الأمريكى والإيرانى حول مدى فعالية الحصار من عدمه، وذلك فى ضوء نجاح واشنطن فى مساعدة سفن على المرور ونجاح طهران فى تعطيل وإصابة سفن أخرى من جهة أخرى، وحول مدى قدرة إيران على تنويع تجارتها عبر بدائل لمضيق هرمز، إلا أنه من الثابت، وفى ضوء تصريحات شبه متزامنة لكل من رئيس مجلس الشورى (البرلمان) الإيرانى قاليباف ووزير الخارجية الأمريكى روبيو صدرت الثلاثاء 5 مايو 2026، وأشار كل منهما إلى استحالة استمرار الوضع الراهن فى مضيق هرمز، وإن كانت منطلقات كل منهما متباينة تمامًا عن الآخر، إلا أنه يبدو أيضًا أن عودة وضعية الممر إلى ما قبل الحرب الأخيرة يبدو بعيد المنال، فى ضوء أن كلًا من واشنطن وطهران خرجتا خلال الأسابيع الماضية بتصريحات يطالب فيها كل طرف بحقه فى فرض رسوم على السفن المارة فى المضيق، وفى ضوء أن دول العالم بأسره ودول الإقليم أصبحت تدرك مخاطر ترك الملاحة فى مضيق هرمز فى المستقبل دون ضمانات دولية ملزمة قوية بحرية الملاحة فى المضيق.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا