لنتابع ما كتبناه فى مقال الأسبوع الماضى عن أمراض الغمز واللمز فى حياة العرب والمسلمين، لا فيما بين الحكومات، وإذن لهان الأمر، وإنما بصور أشنع وأقسى فيما بين المجتمعات ومؤسساتها والجماعات والأفراد. ولقد أكدنا بأن لا مشكلة مع خلافات فى وجهات النظر تعالج بالحوار الأخوى المتسامح وبالحكمة التى تأخذ بعين الاعتبار التزامات هوية العروبة القومية المشتركة والتزامات الأخوة الإسلامية.
فالمشاكل تكمن فى أمكنة أخرى.فإذا كان الإسلام جزءًا أساسيًا من الثقافة المجتمعية العامة، ذات التأثير التاريخى الكبير والحضور القومى فى الحاضر الشعبى، فلماذا لا يحكم ويوازن مشهد الغمز واللمز الذى وصفنا تحريض الدين الإنسان على قول الحق وبالأهمية التى أعطاها رسول الإسلام فى قوله: «ما أنفق مؤمن نفقة هى أحب إلى الله عز وجل من قول حق فى الرضا والغضب»؟وهل يوجد حق بدون ضوابط أخلاقية وقيمية تحكم التعبير عن الحق وممارسته؟ وليس كما يريد البعض عن طريق ممارسة الحرية فى التعبير بلا قيد أو شرط وبطرق المشاحنات اللاتسامحية والعبثية؟بل وهل يوجد الحق فى غياب شرط مهم آخر هو شرط العلم وضوابطه، خصوصا عندما تكون الخلافات حول مواضيع ومواقف بالغة التعقيد والتشابك، كما هو الحال بالنسبة للأوضاع العربية الحالية التى يكثر الغمز واللمز عند التعامل معها من قبل المجتمعات والشعوب والأفراد بصور عبثية وجاهلة؟وفى جميع الأحوال أين ذهبت القاعدة الفقهية الشهيرة فى الثقافة العربية الإسلامية القائلة: «لا ضرر ولا ضرار»؟ التى تعطى أهمية لظروف الواقع الحياتى ومتغيراته، وهى الظروف التى يتلاعب بها مع الأسف كيفما يشاء المركّب الصهيو – أمريكى ويثير بالتالى المشاحنات؟وهكذا فالمشكلة الأولى التى نواجهها تكمن فى تجاهل أو تناسى قيم هذه الأمة الأخلاقية والتواصلية للتعامل مع خلافاتنا. ومع ذلك تبقى هذه المشكلة فى عوالم التجريد الشعورى والفكرى.لذا دعنا نضيف إليها مشكلة تفعل فى الواقع العربى منذ زمن طويل، ولا زالت تشكل جزءا من صورة الواقع الحالى. وهى مشكلة أفضل من عبر عنها ورفع راية تأثيراتها السلبية المفكر الراحل العروبى والمؤرخ ساطع الحصرى، وذلك تحت مسمى «مشكلة الإقليمية» بشتى أنواع تجلياتها الشعورية والمسلكية ومواقفها من فكرة ومحاولات وحدة الأمة العربية ووحدة الوطن العربى، سواء الجزئية أو الشاملة.لقد تتبع الحصرى منبع الإقليمية فوجدها فى تعدد الاستعمار الذى «أنشب مخالبه فى مختلف أجزاء البلاد العربية، فى أزمنة مختلفة وظروف متباينة»، فلما هزم أمام القوى العربية التحررية ترك وراءه أوطانا مستقلة متعددة، بنت عبر السنين ولاءاتها ومصالحها وأهدافها الخاصة بها، التى بدورها أصبحت جزءا من الثقافة الجمعية الوطنية الخاصة بكل قطر. ومع الوقت تكونت فى كل دولة قطرية طوائف من الزعماء والحكام والساسة الرافضين لفكرة زوال كيان الدولة القطرية. ووجدت هذه الطوائف فى الخارج أشكالاً من السند لها ومن محاربة فكرة ومشاريع الوحدة العربية كما حدث المرة تلو المرة خلال القرن العشرين لكل المحاولات الوحدوية. ويخلص ساطع الحصرى إلى الطلب من الفرد العربى أن يكافح الإقليمية كما كان يكافح الاستعمار، بل ويطالب باقتلاع جذور الإقليمية من أعماق النفس العربية.هنا بيت القصيد، إذ يضعنا الحصرى أمام مهمة تثقيفية ومعالجة نفسية كبرى إن أردنا أن ننتقل إلى عوالم توحيد الأمة، أى بمعنى زرع فكر ومشاعر جديدة محل القديمة، وإجراء تعديلات كبرى فى فكر وأهداف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية القطرية.لقد تبنت الكثير من الأحزاب العربية القومية والوطنية المحلية هذه الأفكار وحاولت تطبيقها فى الواقع ولكن فشلت فى مساعيها تلك.لكن هل هناك طريق آخر لسلوكه؟ والجواب هو كلا. فهذا الطريق هو الذى سارت عليه كل أمة أرادت أن تستبدل تأسيس وحدتها القومية، التى تقويها وتبنيها وتحافظ على سلامتها، تستبدلها مكان التجزأة والتفتيت، الذى يضعفها ويجعلها خلف مسيرة هذا العالم فى كل شىء، كما هو الحال بالنسبة لنا، نحن العرب.السؤال: من سيقوم بمواجهة المشكلتين: مشكلة غياب القيمة الحاكمة لنقاشاتنا، ومشكلة فكر وممارسة الإقليمية التى أثبتت عجزها وفشلها فى الدولة العربية الوطنية منذ استقلالها وإلى يومنا هذا؟ وكيف سيقوم بذلك من سينبرى للقيام بهذه الأمة؟الجواب على السؤالين سيكون هو الجواب على بلادات وسخافات ظاهرة الغمز واللمز التى حاولنا تبيان مخاطر التلاعب بها.
مفكر عربى من البحرين
مقالات اليوم محمود محي الدين أحاديث «السيادة» وواقعها نبيل الهادي مصر أمام عالم يتغير جذريًا.. من جزر النيل إلى مدن النيل وليد محمود عبد الناصر «تحولات» مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هنا أبوالغار قانون الأسرة الجديد حين تكون «مصلحة الطفل الفضلى» هى البوصلة قضايا صحية الغذاء بين العلم والجدل
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك