x قد يعجبك أيضا

منتصف الليل فى الخليج.. ترامب يتردد وإسرائيل تضغط والبنتاجون يحذر

الجمعة 27 فبراير 2026 - 6:25 م

لم تفلح ملفات إبستين فى تشتيت انتباه المتابعين عن التصعيد الأمريكى فى الخليج. فالولايات المتحدة استكملت أكبر حشد عسكرى لها منذ غزو العراق عام 2003. فى هذه الأثناء، انعقدت جلسة مغلقة فى الكونجرس الأمريكى للجنة «عصابة الثمانية»، جمعت القيادات الحزبية فى مجلسى النواب والشيوخ ورؤساء لجان الاستخبارات مع وزير الخارجية ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف. بعد الجلسة خرج زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر شاحبا ليقول للصحفيين: «هذا الأمر خطير جدا، وعلى الإدارة أن تشرح موقفها للشعب الأمريكى».
لم يتخذ الرئيس ترامب قراره النهائى حتى كتابة هذه السطور، وهو يظهر ترددا واضحا. ففى خطاب حالة الاتحاد تغيّرت لهجته؛ فبعد شهور من المطالبة بوقف إيران التخصيب النووى، وتفكيك برنامجها الصاروخى، وإنهاء دعم وكلائها فى المنطقة، اختفت هذه المطالب الثلاثة من خطابه، وركّز فقط على أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووى، وأنه ينتظر منها «كلمات سرية» لم يسمعها بعد. والمفارقة أن وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى كان قد صرّح قبل الخطاب بساعات: «قناعاتنا الأساسية واضحة كالبلور؛ إيران، وتحت أى ظرف من الظروف، لن تطور أبدا سلاحا نوويا». يبدو أن هذه هى الكلمات السرية التى كان ينتظرها ترامب لمنع الحرب، والتى تأتى على هوى بعض مستشاريه، ومنهم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، الذين أخبروه أنهم لا يملكون استراتيجية قابلة للتنفيذ لكسب حرب مفتوحة. لكن ترامب فى الوقت نفسه يواجه ضغوطا هائلة.
تبدو إسرائيل الدولة التى تدفع باتجاه هذه الحرب بإصرار. فقد زار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو البيت الأبيض مرات عديدة، آخرها منذ أيام، للضغط من أجل توجيه ضربة عسكرية لإيران. فهو يرى أن نافذة الفرصة تغلق بسرعة، بينما استعادت إيران الكثير من قدراتها الصاروخية المتقدمة التى اختبرتها إسرائيل فى حرب الاثنى عشر يوما. لذلك لا يريد ضربة محدودة، بل يسعى إلى حرب شاملة لتغيير النظام وتفكيك إيران كما حدث مع سوريا. إسرائيل تريد جرّ الولايات المتحدة إلى مستنقع طويل الأمد، لأنها تعتقد أنه بمجرد بدء الحرب وتصاعدها، لن يكون أمام أمريكا خيار سوى الاستمرار فيها.
وفى تطور لافت، تنخرط الهند بشكل أعمق فى تحالفها مع إسرائيل، حيث تحدث رئيس الوزراء ناريندرا مودى فى الكنيست الإسرائيلى يوم 25 فبراير عن علاقات بلاده القديمة مع إسرائيل، بعدما كانت بلاده تاريخيا من أشد الداعمين للقضية الفلسطينية، فى إشارة إلى تحول استراتيجى طويل المدى يضيف بعدا جديدا للمشهد. وبدورها، إسرائيل التى تبحث عن حليف استراتيجى آسيوى يطوّق إيران وباكستان لن تجد أفضل من الهند. وبتحالفها مع الهند تبنى إسرائيل توازنا تحسبا للتحالفات الجديدة الناشئة، وأهمها السعودى – الباكستانى.
وكما تقدّم، يرسل البنتاجون إشارات متزايدة بأن الأمور ليست على ما يرام. فالجنرال كين يحذر من الدخول فى حرب مفتوحة لا تملك أمريكا مخزونا كافيا لخوضها، ولا استراتيجية واضحة للخروج منها. حتى المستشارين السياسيين لترامب يحذرونه من المخاطر السياسية؛ فانتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر قد تكلفه الأغلبية فى الكونجرس. وإذا كانت القوات الأمريكية تعانى من نقص حاد فى بعض الذخائر بسبب استخدامها فى الدفاع عن إسرائيل منذ اندلاع حرب غزة، فماذا سيحدث للمخزون فى الحرب مع إيران؟ وهل ستكون أمريكا مستعدة لخوض حرب حقيقية بعد ذلك ضد خصم قوى، والدفاع عن تايوان فى مواجهة التحدى الصينى؟
* • •
تقع دول الخليج فى مرمى النيران، حيث أعلنت إيران مرارا أن أى هجوم، حتى لو كان محدودا، سيُقابل برد شامل يستهدف القواعد الأمريكية فى المنطقة ويغلق مضيق هرمز. ويمكن لإيران استهداف البنية التحتية للطاقة فى الخليج، وإغلاق المضيق الذى يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، ما سيتسبب فى ارتفاع جنونى فى أسعار النفط وتضخم عالمى يطال الجميع. وذلك رغم أن السعودية ودول الخليج توضح لإيران معارضتها للهجوم ورفضها المشاركة فيه؛ فهى لا تريد تعطيل خططها التنموية فى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. لكن إذا اندلعت الحرب فستجد نفسها فى خط المواجهة الأول، سواء أرادت أم لم ترد.
إيران ترد دبلوماسيا وعسكريا على التهديدات الأمريكية. فكما تقدّم، أعلن وزير خارجيتها عباس عراقجى أن إيران لن تطور سلاحا نوويا تحت أى ظرف، وأنها مستعدة للتفاوض على اتفاق يشبه الاتفاق النووى الأصلى، وبذلك يقدم للرئيس ترامب مخرجا من حرب مفتوحة قد لا يريدها. أما عسكريا، فتطوّر إيران قدراتها الصاروخية والمسيّرة بوتيرة متسارعة، حيث كشفت رويترز عن صفقاتها الجديدة مع الصين صواريخ CM-302 ومع روسيا. كما تجرى إيران مناورات استهدف آخرها قاعدةً تحاكى قاعدة فى إحدى الدول الخليجية تتمركز فيها قوات أمريكية، فى رسالة واضحة مفادها أن أى عدوان سيُقابل بضرب جميع القواعد الأمريكية فى الخليج. كما تعوّل إيران على أن الجغرافيا حليفتها؛ فمساحتها الشاسعة البالغة 1.65 مليون كيلومتر مربع، وتضاريسها الوعرة، تجعل من ضرب قواعد صواريخها مسألة مكلفة جدا حتى على قوة مثل الولايات المتحدة التى لا تستطيع تحمل حرب استنزاف طويلة، ولذلك تراهن على الصمود.
الصين وروسيا تراقبان المشهد باهتمام بالغ وتستفيدان منه بأكثر من طريقة. أولا، أى حرب أمريكية مع إيران ستربك الولايات المتحدة وتشغلها عن أولوياتها الاستراتيجية فى آسيا. وبدلا من التركيز على التحدى الأكبر المتمثل فى الصين، ستجد أمريكا نفسها منشغلة فى حرب استنزاف ثانية فى الشرق الأوسط، تماما كما هى منشغلة فى أوكرانيا.
ثانيا، قد يدفع هذا الوضع روسيا والصين وإيران وربما كوريا الشمالية إلى تشكيل تحالف جديد. الصين التى تعتمد على إمدادات النفط من الخليج ستعانى من أى اضطراب فى مضيق هرمز، لكنها فى المقابل سترى أمريكا، منافستها الاستراتيجية، منهكة فى مستنقع جديد. كما تدرس الصين أداء الجيش الأمريكى فى كل جولة مع إيران، لأن ذلك يعطيها مؤشرات مهمة عن قدرة أمريكا على خوض حرب فى تايوان. أما روسيا، التى تعانى من عقوبات بسبب حرب أوكرانيا، فترى فى أى حرب جديدة فرصة لارتفاع أسعار النفط والغاز وتحسين وضعها الاقتصادى.
* • •
الساعات القادمة حاسمة: إما صفقة اللحظة الأخيرة التى تسمح لترامب بالانسحاب بكرامة ويعلن أنه حقق «اتفاقا أفضل» يمنع إيران من امتلاك السلاح النووى بشكل دائم، وإما حرب واسعة لا أحد يعرف أين تبدأ وأين تنتهى. الخاسر الأكبر من هذه الحرب سيكون الولايات المتحدة، التى ستجد نفسها وقد أحرقت تريليونات الدولارات فى صراع لا منتصر فيه، بينما روسيا تتعافى فى أوكرانيا والصين تستعد لاقتطاع تايوان.
المستشارون السياسيون يذكرون ترامب بكل هذه المخاطر، والمؤشرات تقول إن العقلاء يبحثون عن مخرج، لكن هل ستسمح إسرائيل بذلك؟

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة