x قد يعجبك أيضا

لماذا فشلت استراتيجية واشنطن فى كسر طهران؟

الجمعة 13 مارس 2026 - 5:40 م

دخل الرئيس دونالد ترامب مغامرته العسكرية ضد إيران وكأنها نزهة فنزويلية قصيرة، لكن الواقع على الأرض خلال الأيام العشرة الماضية رسم صورة مختلفة. فبعد الإعلان عن أهداف طموحة لتدمير القدرات الصاروخية، وتغيير النظام، والاستسلام غير المشروط، يقف ترامب اليوم أمام خيارات مُرّة: إما الانسحاب المخزى الذى سيهدد مصداقية أمريكا لعقود، أو التورط فى مستنقع إيرانى أكثر وعورة من فيتنام وأفغانستان مجتمعتين، أو نقل المعركة إلى حلفائه فى المنطقة. والمعطيات الميدانية تشير إلى أن قرار وقف الحرب ليس بيد البيت الأبيض.
حاليًا، الأكثر إيلامًا للاستراتيجية الأمريكية هو ما يحدث فى مضيق هرمز، الشريان الحيوى الذى يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. فإيران تثبت يوميًا أنها لا تزال المسيطر الفعلى على هذا الممر الاستراتيجى. فخلال الأيام الأخيرة تم استهداف ثلاث سفن فى المضيق، كما تعرّض ميناء صلالة العُمانى للقصف، واستُهدف مطار دبى مرتين، ما أدى إلى موجة تذبذب فى أسعار الطاقة أضرت بالاقتصاد العالمى. وفى محاولة لامتصاص الصدمة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن الإفراج عن 400 مليون برميل تمثل ثلث الاحتياطى الاستراتيجى للنفط. لكن الأسواق لم تهدأ، بل ازدادت تشاؤمًا؛ فالسؤال المطروح: ماذا بعد أربعين يومًا عندما تنفد هذه الكميات؟ إعادة ملء الاحتياطى ستكون بأسعار أعلى، إن تمت أصلًا، فى ظل استمرار التوتر.
وفى السياق نفسه، توسّع مسار الحرب ليشمل تهديد محطات المياه فى منطقة الخليج التى تحتضن نحو 40% من عمليات تحلية المياه فى العالم، وهى محطات عملاقة تمتد عبر سواحل الكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات. هذه المحطات هى قلب المنطقة النابض، وأى ضرر جسيم أو تدمير منهجى لها يعنى تحويل حياة الملايين إلى جحيم حقيقى من العطش. وإعلان الحرص الثورى بدء استهداف هذه المحطات، بدءًا بالبحرين، هو رسالة ردع مفادها: إذا مسستم مياهنا فى قشم فستدفعون الثمن.
بذلك تقف دول الخليج فى موقف المدافع دون حماية أمريكية فعالة. فهى تستنزف دفاعاتها الجوية يوميًا لاعتراض مسيرات إيرانية تستهدف حقول النفط وبعض البنوك تغلق أبوابها، وموانئها مهددة، وعمالها يعملون عن بُعد. وقد أوقفت شركة ميرسك العملاقة عملياتها إلى ميناء صلالة. والخسائر الاقتصادية فادحة؛ إذ تقدّر فايننشال تايمز أن قطاع السياحة فى الشرق الأوسط يخسر نحو 660 مليون دولار يوميًا. ومع مرور الوقت يتكشف لدول الخليج أن الهدف الحقيقى للحرب، وفق ما كشفت هيئة البث الإسرائيلية، هو تقليص قدرة إيران على تهديد إسرائيل. وهذا يعنى أن حلفاء أمريكا فى الخليج يدفعون ثمنًا باهظًا لحرب ليست من أجلهم.
• • •
وفى الولايات المتحدة يزداد الإدراك بأن الأمور ليست على ما يُرام. فبعد جلسة إحاطة مغلقة فى مجلس النواب، خرج النائب الديمقراطى ريتشارد بلومنتال محبطًا وغاضبًا، محذرًا من احتمال إرسال قوات برية إلى إيران. هذا السيناريو الكارثى يعنى فصلًا جديدًا من الاستنزاف. فالتقديرات، طبقًا لوكالة رويترز، تشير إلى أن تكلفة الأيام الأولى للحرب تخطّت ستة مليارات دولار. ومع استمرار العمليات للأسبوع الثانى، ستضطر إدارة ترامب إلى العودة إلى الكونجرس لطلب تمويل طارئ. هنا تكمن المشكلة: فبحسب قانون صلاحيات الحرب 1973، يملك الرئيس سلطة استخدام القوة العسكرية لفترة محدودة دون موافقة الكونجرس، لكنه يحتاج لاحقًا إلى دعم تشريعى إذا أراد استمرار العمليات لفترة أطول أو الحصول على تمويل إضافى.
الواقع أن الديمقراطيين موحدون فى معارضة الحرب، بينما بدأ الجمهوريون أنفسهم يتساءلون: ما هدفنا؟ كم جنديًا خسرنا؟ ولماذا لا توجد خطة واضحة للخروج؟ ومع وجود 140 جنديًا أمريكيًا مصابًا حتى الآن، وتعرض قواعد أمريكية فى المنطقة العراق لهجمات، تتصاعد الأصوات المطالبة بالشفافية. وإضافة إلى ذلك، تشير استطلاعات الرأى إلى أن غالبية الأمريكيين تعارض الحرب، ما يضع الجمهوريين فى موقف حرج قبل انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل. وإذا رفض الكونجرس التمويل، فستجد أمريكا نفسها مضطرة إلى الانسحاب الفورى لا انتصارًا بل إفلاسًا سياسيًا وعسكريًا، وهو ما قد يعنى نهاية أى نفوذ أمريكى فى المنطقة لعقود.
فى المقابل، لا تبدو إيران فى موقف استسلام، بل تدير الصراع بأسلوب الاستنزاف. فبدل المواجهة التقليدية المباشرة، تعتمد طهران على مزيج من الردود غير المتكافئة، مثل الهجمات الصاروخية أو المسيرات أو تنسيق الهجمات مع حلفائها الإقليميين. هذا النمط من المواجهة يجعل من الصعب تحقيق نصر عسكرى سريع عليها. والحرس الثورى، الذى يدير الحرب، يفعل المستحيل لحماية المرشد الجديد مجتبى خامنئى، الذى لم يظهر بعدُ فى العلن خوفًا من استهدافه. وداخليًا جاءت الضربات الإسرائيلية التى استهدفت خزانات الوقود والبنية المدنية فى إيران، كما حدث فى مطار أصفهان، بنتيجة عكسية؛ إذ وحدت الصفوف الإيرانية خلف القيادة. وقد اعترف ستيف بانون، مستشار ترامب السابق، بمرارة بأن إسرائيل صنعت قومية إيرانية بقصفها العشوائى، ما أحيا المشاعر الوطنية وأضعف المعارضة الداخلية.
أما إسرائيل فتجد نفسها فى وضع مقلق. فقد كانت الدافع الأكبر للحرب، وقدمت لترامب تقديرات بأن الضربات ستكون سريعة وحاسمة، لكن الواقع مختلف. فصواريخ حزب الله فاجأت الجميع، وتتساقط على شمال إسرائيل بمعدل مئة صاروخ يوميًا، كما أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية باتت أقل فاعلية فى مواجهة الصواريخ الإيرانية المتطورة مثل «خرمشهر» و«خيبر». وتُقدر التعويضات المطلوبة لإصلاح الأضرار بنحو تسعة مليارات شيكل. لذلك بدأت أصوات إسرائيلية تطالب بإنهاء الحرب، لكنها فى الوقت نفسه تخشى من انسحاب أمريكى غير مكتمل يترك إيران أقوى.
• • •
فى هذا المشهد المعقد تبدو الخيارات أمام واشنطن محدودة للغاية. فالتصعيد العسكرى قد يؤدى إلى توسع الحرب بشكل غير متوقع، خصوصًا إذا تدخل اليمن بإغلاق مضيق باب المندب. أما الانسحاب دون تحقيق نتائج واضحة فسيُدمر مصداقية أمريكا ويترك الخليج مكشوفًا للهجمات الإيرانية. وبين هذين الخيارين يبقى الحل الدبلوماسى، رغم صعوبته، أحد المسارات القليلة القادرة على إنهاء الأزمة بشكل مستدام. لكن إيران تضع شروطًا مسبقة تشمل رفع العقوبات وعدم الاعتداء، وهو ما يصعب قبوله أمريكيًا لأنه سيتيح لطهران إعادة بناء قدراتها.
فالحسم العسكرى لا ينهى الصراعات، بل إن التنازلات المتبادلة بين الأطراف هى التى تفتح الطريق نحو تسويات سياسية. وإيران لن ترضى بوقف الحرب من دون رفع العقوبات، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا بالنسبة للولايات المتحدة، لأنه بمثابة انتحار سياسى. ولذلك فإن التحدى الأكبر فى هذه الحرب هو تحويلها من معادلة صفرية إلى مسار تسويات تقبل بها الأطراف. فالمنطقة كلها اليوم رهينة لمأزق ترامب؛ فهو غير قادر على الانتصار، ولا قادر على الانسحاب. كما أن أى تسوية لا بد أن تؤمّن مستقبل لبنان، لأن خروج إيران منفردة من المعادلة قد يضع لبنان فى مواجهة غزو برى إسرائيلى يسعى إلى ضم الجنوب حتى شمال الليطانى.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة