فى العمل بالأصل

الجمعة 13 مارس 2026 - 5:50 م

لما تطرَّق الحديث إلى الدراما والمسلسلات، انقسم الجالسون إلى فريقين؛ فريق يرى أن دواعى الانتقام العادل تبيح الخداع والغشَّ وما توفر على دربهما من وسائل، وآخر يرى أن الالتزام بالمبادئ والأخلاقيات لا بد وأن يحكمَ محاولة استرجاع الحقّ، وأن الضرورات لا تبيح على الدوام المحظورات. دار الكلامُ الذى شهدت معظمه حول مسلسل بعنوان "قسمة العدل"، سبق عرضُه الدراما الرمضانية وأحرز نسبة مشاهدة مرتفعة. البطلة التى أوقعت بكل من أعطاها ثقته حازت إعجاب الأغلبية وتأييدها؛ لكن صديقة فى أواسط العمر انبرت تنتقدها وترفض تصرفاتها وتقول: "قليل الأصل ما تطمرش فيه العِشرة".
• • •
الأصلُ هو المَنبَت والجّذر؛ البيئة التى يشبُّ فيها المرءُ صغيرًا، والعائلة التى يولد لها والأشخاص الذين يحيطون به، والمناخ السائد الذى يؤثر فيه. يترك الأصلُ الطيبُ بصمتَه؛ عميقةً مُستدامَة، بينما الأصلُ الخبيث لا يلبث أن يطغى على المَسلك؛ فيردُّ إليه الناس ما تبدَّى لهم من نقائص، وفى هذا الإطار يُوصَف كلُّ نبيلٍ شريف بأنه "ابن أصول".
• • •
تقول الحِكمةُ العربية الرَّزينة: "إن أنت أكرَمت الكريمَ مَلكته وإن أنت أكرَمت اللئيمَ تمرَّد"، والعادة أن يمتن كلُّ ذى عقلٍ مُتَّزن ونفسٍ صافية وفطرة سليمة؛ لأصحاب الفضل عليه، فيما يحملَ لهم الجحودَ والحقدَ كلُّ ذى روح مشوَّهة باعثة على النكران.
• • •
يميل المرءُ فى بعض الأحوال إلى تنزيه ذاته، ونفى وجود أيادى بيضاء للآخرين عليه؛ بل وقد يدفعه شعوره بأنه كان ذات يوم فى وضع احتياج إلى الإساءة لكل من ساعده، وفى هذا يقال إنه قليلُ الأصل إذ "عضَّ اليد اللى اتمدت له"، ولا عجب أن يستنكر الناس عمله ويلجأون للأمثولة التى تقول: "اتقِ شرَّ من أحسَنت إليه".
• • •
أتوقف كل مرة أقرأ فيها المأثور الشهير: "لا تطلب الخيرَ من بُطونٍ جاعت ثم شبعت فالجوع فيها باق". أفكر كلما مر بى أنه قد يكون مجحفًا فى بعض الأحوال، وأتساءل عن الاحتمالات العكسية؛ فمن اختبر الجُّوعَ قد يحاول تجنيب الآخرين أثره المؤسى البائس، ومن تألم من قرصاته قد يحاول أن يكفى جائع آخر مشاعر الحرمان. النصيحة مربكة وصيغة النهى قوية حازمة وعلى كل حال؛ يصعب أن يأتى الحكمُ مُطلقًا غير مشروط، فلكل حال دوافعها ولكل ظرف ما يلائمه.
• • •
تتوجه الحكمةُ الشعبيَّة للصالح والطالح على حد سواء فتقول: "من آمنك لم تخونه ولو كنت خاين". يصعب أن يتخلى المرءُ عن خصلة ذميمة فُطِر عليها؛ كذبًا كانت، أو خداعًا أو خيانة؛ لكن الأمر يختلف بعض الشيء حين يُمنى بثقة آخر يوصيه صراحة بأمانة يؤديها؛ إذ ربما يستحى ويشعر برغبة فى كَسر القاعدة والتزام الخلق القويم ولو مرة.
• • •
أنشد عنترة بن شداد: "لا يحملُ الحقدَ من تعلو به الرتبُ .. ولا ينال العلا مَن طبعه الغضبُ .. إن الأفاعى وإن لانت ملامِسُها .. عند التقلُّب فى أنيابها العطبُ"، والحال أن سُمَّ الأفعى فى مَوضِعه؛ طبيعة أصيلة ثابتة لا تنفيها النعومة الظاهرة، والمجاز الذى تحمله الأبيات سارٍ على الأحياء كافة، فالأصل البريّ للقط على سبيل المثال؛ يدفعه بعض المرات رغم التدليل والألفة لاصطياد فريسة تمر به صدفة.
• • •
بعض المرات يتصرف شخص بما يدهش الناس من حوله؛ لكن العارفين بتاريخه وبأصله وفصله، لا يعجبون لفعيله؛ بل أنهم يتباهون بفطنتهم أمام الآخرين قائلين: "ع الأصل دور"، والمعنى أن ثمة ما هو أعمق وأقدم وأكثر تأثيرًا من الظاهر على السطح؛ ثمة ما يفسر التصرف المُستنكر ويجعله مقبولًا، ويقال إجمالًا إن "كلّ إناءٍ ينضَح بما فيه" فإذا كان محتواه طيبًا ظهر وفاح، وإذا كان خبيثًا غشت الجو رائحة كريهة خانقة، والظن أن أصل المرء هو ما يظهر عند الشدائد منحيًا ما عداه، يقول الشاعر: "إن الكرام وإن ضاقت معيشتهم .. دامت فضيلتهم والأصل غلاب .. لله در أناس أينما ذكروا .. تطيب سيرتهم حتى وإن غابوا".
• • •
تقول الحكمة الشعبية: "قليل الأصل لا تعاتبه ولا تلومه.. قلة الأصل طبعه من يومه"؛ والمراد أن ثمة أفعال وتصرفات تبدو مُستجدَّة؛ يُعاتَب عليها من لم تكن يومًا من صفاته المستقرة، أما إن كانت متأصلة فيه؛ تحولت إلى أمر بديهى لا يتوقف الآخرون لديه.
• • •
ينعكس الأصل على الهيئة حتى ليقر المأثور بأن: "سيماهم على وجوههم" وإذا رأى الناس شخصًا على وجهه ما يشى بأصل طيب مستور؛ فيما تواضع ملبسه وساء هندامه وهان فإنهم يعلقون بأسى: "عزيز قوم زل".
• • •
يقول المأثور المنسوب لعليّ بن أبى طالب: "ذو الأصل الطيب حتى فى عداوته شريف، وقليل الأصل حتى فى صداقته خبيث". ثمة خصال ذميمة تنم عن رداءة الأصل والمنشأ؛ منها المغالاة فى الخصومة، ونبذ قيم العفو والرحمة والتسامح، تضاف إليها الرغبة المحمومة فى التنكيل بالمهزوم.
• • •
أنشد إيليا أبو ماضى فى قصيدته التينة الحمقاء: "نسى الطين ساعة أنه طينٌ .. حقير فصال تيهًا وعربد .. وكسى الخزُّ جسمَه فتباهى .. وحوى المالَ كيسُه فتمرَّد". الصورة التى رسمها أبو ماضى ممتعة مثيرة، والطين الذى نسى أصله لا يدرك معدنه ولا يعرف قيمته الحقيقية، كما أنه لا يفطن لعواقب التنصل منها، وفى تبعات التنكر للأصل تأتى النصيحة المناسبة: "من فات قديمه تاه"؛ لتذكر بأهمية ما مضى وتنبه لدوره فى الآتى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة