حق الأداء العلنى.. هل ينصف مجلس الشيوخ الفنان المصرى؟

الأربعاء 20 مايو 2026 - 7:00 م

فى لحظة بدت وكأنها تأخرت كثيرا، أعادت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ فتح واحد من أكثر الملفات حساسية فى الوسط الفنى المصرى، وهو ملف «حق الأداء العلنى»، بعد المقترح الذى تقدم به الفنان ياسر جلال، مطالبًا بوضع آلية عادلة تضمن حصول الفنانين على مقابل مادى نظير إعادة عرض أعمالهم عبر القنوات والمنصات المختلفة.
القضية فى ظاهرها تبدو قانونية أو اقتصادية، لكنها فى حقيقتها تمس فكرة العدالة الفنية نفسها. فالفنان الذى يظل حضوره حيًا على الشاشات لعقود، وتستمر أعماله فى تحقيق الأرباح والمشاهدات، من الطبيعى أن يتساءل: لماذا تتوقف حقوقه عند أجر التعاقد الأول فقط؟ ولماذا تستفيد جهات الإنتاج والمنصات من إعادة الاستغلال التجارى للأعمال، بينما يظل صاحب الأداء خارج المعادلة؟
مناقشة مجلس الشيوخ لهذا المقترح تحمل دلالة مهمة، لأنها المرة الأولى منذ سنوات التى ينتقل فيها الحديث عن «حق الأداء العلنى» من كواليس النقابات والحوارات المغلقة إلى مؤسسة تشريعية تناقش الأمر بصورة رسمية. والأهم أن الطرح لم يأتِ من زاوية الصدام مع المنتجين أو المنصات، بل من زاوية البحث عن توازن يحفظ حقوق جميع الأطراف.
الفنان ياسر جلال لم يكن يتحدث عن امتياز استثنائى، بل عن حق معمول به فى أغلب الصناعات الفنية الكبرى حول العالم؛ حيث يحصل الممثل أو الموسيقى أو المؤدى على مقابل عند إعادة بث العمل أو استغلاله تجاريًا بعد إنتاجه. وهو ما يعرف عالميا بحقوق الأداء أو «الحقوق المجاورة»، التى تعتبر جزءا أساسيا من حماية الملكية الفكرية.
المفارقة أن مصر، التى تمتلك واحدة من أضخم المكتبات الدرامية والسينمائية فى العالم العربى، ما زالت تتعامل مع الفنان وكأنه ينتهى بمجرد انتهاء التصوير، رغم أن القيمة الحقيقية للعمل تبدأ غالبا بعد عرضه الأول، حين يتحول إلى مادة قابلة للتداول والإعادة والبث المستمر عبر عشرات الوسائط.
كما أن القضية لا تخص نجوم الصف الأول فقط، بل تمتد إلى آلاف الفنانين الذين صنعت أدوارهم الصغيرة ذاكرة المشاهد المصرى والعربى وشكلوا وجدانه سواء كانوا فى البطولة أو الأدوار المساعدة. كثير من هؤلاء عاشوا ظروفا صعبة فى سنواتهم الأخيرة، رغم أن أعمالهم لا تزال حاضرة يوميا على الشاشات.. رحلوا دون أن يحصلوا على أى عائد من إعادة عرض أعمالهم مئات المرات، بينما حققت تلك الأعمال أرباحا متواصلة على مدار سنوات طويلة.
ومن هنا تبدو مناقشة حق الأداء العلنى أقرب إلى محاولة لإعادة التوازن داخل الصناعة الفنية، خاصة فى ظل التطور التكنولوجى الهائل الذى جعل المحتوى يعيش لفترات أطول ويحقق أرباحا أكبر من أى وقت مضى.
اللافت أيضا إلى أن مناقشة المقترح داخل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ جاءت فى توقيت يشهد تحولات ضخمة فى سوق المشاهدة، بعد صعود المنصات الرقمية، واتساع نطاق إعادة استغلال المحتوى القديم. وهو ما يجعل فكرة «الأداء العلنى» أكثر إلحاحا من أى وقت مضى، لأن العمل الفنى لم يعد يُعرض مرة واحدة ثم يختفى، بل أصبح يعيش عمرا افتراضيا مفتوحا.
وربما تكون القيمة الأهم لهذا النقاش أنه يعيد الاعتبار لفكرة أن الفن ليس مجرد ترفيه، بل صناعة متكاملة تحتاج إلى تشريعات حديثة تحمى كل عناصرها. فلا يمكن الحديث عن تطوير الدراما والسينما، بينما يظل الفنان الحلقة الأضعف فى معادلة الحقوق.
ويبقى السؤال الحقيقى: هل تتحول مناقشات مجلس الشيوخ إلى خطوة تشريعية فعلية تؤسس لمرحلة جديدة فى حماية حقوق الفنانين؟ أم يبقى الملف حبيس الجلسات والاقتراحات؟
فى كل الأحوال، فإن مجرد فتح الباب للنقاش يعد انتصارًا معنويا لفكرة طال انتظارها.. أن الفنان لا يجب أن يُستهلك مرة واحدة، ثم يُترك خارج حسابات الأرباح التى يواصل فنه صناعتها كل يوم.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة