لم تتوقف تعليقات المؤلفين والناشرين طوال الـ48 ساعة الأخيرة على الإجراء الجديد الذى أعلنته دار الكتب والوثائق القومية والخاص بتغيير نظام الإيداع فى دار الكتب بطلب ملفات بنظام word للكتب قبل نشرها كشرط للحصول على رقم الإيداع وهذا الإجراء المعروف باسم «القرار رقم ١٩٨ لسنة ٢٠٢٦» لا يعنى فقط انتهاكًا أبسط حقوق الملكية الفكرية وحق المؤلف، لكنه معيب من الناحية القانونية أيضًا وكما وصفه الروائى المبدع والقاضى أشرف العشماوى فإنه يثير، إن صح تطبيقه بهذه الصورة، تساؤلات مقلقة تتجاوز مجرد الإجراءات الإدارية إلى ما يشبه فرض رقابة مسبقة على الكتب، وهى مسألة مرفوضة من الأساس وغير دستورية، كما أنها قانون ليست من اختصاص دار الكتب أصلًا، ولا تدخل ضمن الغرض الذى أُنشئت من أجله بوصفها جهة حفظ وتوثيقًا للإنتاج الفكرى بعد نشره؛ وليست جهة فحص أو وصاية على النصوص قبل نشرها. ومن وجهة نظر البعض فإن الإجراء المقترح ليس إلا خطوة تستكمل سلسلة من الإجراءات التى اتخذت خلال السنوات الأخيرة، وشملت التضييق على حق بعض دور النشر فى الحصول على ارقام الإيداع لأسباب صارت معروفة.يعرف جميع المشتغلين بالمهنة والمهتمين بشئونها أن الحصول على أرقام الإيداع خلال تلك السنوات كان يتطلب فى أوقات كثيرة واسطة من مسئول كبير.الأغرب من كل ذلك أن كل تلك الإجراءات جرت بمعزل عن اتحاد الناشرين، وهو جهة منتخبة تمثل مصالح الناشرين، كما أنها ذات صلة وثيقة بهيئات وزارة الثقافة المعنية بإصدار تلك القرارات، وكان طرفًا أصيلًا فى مشاورات جرت معها للتعامل مع أزمة عدم وصول الكتب المصرية لمعرض الرباط للكتاب خلال دورته التى انتهت قبل عشرة أيام فقط.وقد أعلن اتحاد الناشرين، فى بيانه الجاد والحاد الذى صدر، أمس الأول، أنه لم تتح له الفرصة للاطلاع على نص القرار حتى الآن، ولم ينشر أو يعلن بالطرق الرسمية المتبعة قبل تفعيله. بل إن الاتحاد والناشرين قد فوجئوا به بعد ما تردد حول تطبيقه الفعلى، ولم يعلم الاتحاد به إلا بعد وصول سيل عارم من الشكاوى والاستغاثات من الناشرين المتضررين الذين صرحوا بأن معاملتهم رفضت ما لم يمتثلوا للشروط المستحدثة.يجهز القرار الأخير على صناعة إبداعية مؤثرة، وذات دور تاريخى طويل فى تحديد وصياغة الأوزان الإقليمية لمصر كدولة رائدة فى صناعة الثقافة، كما أنه يؤثر من دون شك فى جدية الخطاب الذى يجرى استهلاكه يوميا فى وسائل الإعلام وعلى لسان المسؤلين حول قوى مصر الناعمةأسوأ من ذلك أن يتزامن هذا الإجراء مع خسائر لا حدود لها تعانى منها صناعة النشر فى مصر بعد ان تسببت الحرب الدائرة فى المنطقة فى توقف اغلب معارض دول الخليج العربى وكانت هذه المعارض تسهم فى تحقيق هامش ربح يسمح للناشرين بالاستمرار رغم الأزمات الأقتصادية القائمة وحمى ارتفاع الأسعار التى تجعل الكتاب ليس من بين السلع ذات الأولوية لدى المستهلك المصرى.وبدلًا من أن تبذل الدولة جهدها لتشجيع صناعة النشر من خلال حزمة من القرارات تستجيب لمطالب الناشرين فى تيسير إجراءات الحصول على تراخيص تأسيس دور نشر جديدة او العمل على خفض الجمارك على مدخلات الصناعة من ورق مستورد أو أحبار وأدوات طباعة وتشجيع تصدير الكتاب المصرى، ليأخذ الحصص التى كانت لدى ناشرين يمثلون دولًا تعانى من حروب واضطرابات سياسية تلجأ الحكومة فى المقابل لهذه النوعية من القرارات المعوقة.وبالتالى فإن الدعوة إلى تدخل الحكومة لوقف تزوير الكتب والتعامل بجدية مع البلاغات المقدمة من دور نشر معروفة ضد مزورين معروفين تصبح مجرد نكتة لا معنى لها، فالحكومة عبر كل أجهزتها تتجاهل كل تلك المطالب وتعمل ودن من طين وأخرى من عجين وبفضل الإجراء الجديد تزيد الطين بلة كأنها ترغب فى محاصرة صناعة النشر والإجهاز عليها تمامًا، وبصورة توقف نموها فى المستقبل.لا يجوز بأية حال من الأحوال القبول بأى تبرير لهذا الإجراء الجديد والتفاخر بأنه جاء بغرض تيسير مهمة الحصول على أرقام الإيداع، فمن المعروف أن الرقابة المسبقة على النشر ألغيت فى عام 1977 ولم يعد النشر يخضع لأى تصريح مسبق ووفقًا لما كتبه المستعرب الفرنسى ريشار جاكمون فى كتابه المهم «بين كتاب وكتبة» فإن الإيداع القانونى لا يمثل سوى إجراء شكلى، ناهيك عن أنه نادرًا ما تتم مراعاته بالشكل الأمثللكن الثابت أيضًا أن الغاية من وراء الإيداع القانونى هى حفظ التراث الثقافى وأرشفته فى صورته النهائية المطبوعة أو الرقمية المغلقة، وليس جمع وإيداع مسودات وملفات نصية أولية تسبق مرحلة النشر النهائى، كما أشار بيان اتحاد الناشرين مؤكدًا أن القرار المقترح يشكل قيدًا بيروقراطيًا مستحدثًا قد يمس حرية النشر والخصوصية الإبداعية التى كفلها الدستور المصرى، فضلًا عن مخالفة أحكام قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢.من جهة أخرى فإن النسخ التى كان الناشر ملتزم بإيداعها قانونًا تأتى بغرض الحفظ فى الدار وكانت تمثل ضمانة لإتاحة الكتب أمام القراء فى شبكة المكتبات العامة التابعة للدار. فى الوقت الحالى لم تعد لدينا مكتبات عامة جديدة، وما لدينا يتراجع أو يحتضر، كما أننا لا نقرأ عن جهات تعنى ببناء المكتبات العامة فى المدن الجديدة سواء كانت منتجعات فاخرة أو مشروعات الإسكان الاجتماعى أو حتى فى العشوائيات.وبالمثل لا توجد نوايا معلنة لاستئناف مشروعات قومية لتشجيع القراءة، مثل القراءة للجميع ومكتبة الأسرة التى شكلت كتبها وعى جيلين على الاقل من الأجيال التى وصل بعضها إلى مواقع القيادة فى مؤسسات كثيرة.من المفهوم تماما بل من الضرورى أن تسعى دار الكتب إلى إجراء تحول رقمى وتحديث آليات العمل وأنظمة الحفظ، لكن السؤال الذى لم يطرح كيف يمكن اجراء هذا التحول فى نظام الايداع لخدمة صناعة النشر ودعم حرية الرأى والتعبير التى تمثل أهم الضمانات للارتقاء بالصناعة والدفاع عن ميراث الثقافة المصرية والتبشير بواقعها الجديد.وكما يقال دائمًا نحن لا نخترع العجلة، فهناك مئات الشركات العاملة فى مجال التحديث الرقمى، كما أن لدينا مئات الخبراء فى علوم المكتبات وانظمة الحفظ والإبداع الإلكترونى، وهؤلاء لديهم خبرة واسعة فى إدارة مكتبات وطنية أكثر حداثة، لكنها أقل عراقة مما تملكه دار الكتب أبدى جميع الخبراء والمؤلفين والناشرين اعتراضات علنية على الإجراء الجديد الذى لا يكفى وصفه بالإجراء المعيب، لأنه إجراء مخجل بكل ما تعنيه الكلمة، ليس فقط لأنه يتجاهل أهل العلم وأهل الصناعة وإنما لأنه يضع الدولة فى مأزق كانت فى غنى عنه تمامًا، ويؤدى لاحقًا إلى هجرة من نوع آخر لرموز الإبداع المصرى تعيد إلى الأذهان ما كان قائمًا خلال حقبتى الستينيات والسبعينيات، فبسبب الرقابة الصارمة هاجرت رموز أدبية وفكرية واضطرت لنشر إنتاجها خارج مصر سواء فى بيروت أو بغداد، وهى مسألة علينا العمل على التعامل معها بجدية، لأنها ستصبح الأفق الوحيد لعمل الناشر الجيد الراغب فى إنتاج محتوى له قيمة.والواجب على اتحاد الناشرين واتحاد الكتاب وأعضاء لجان الثقافة والسياحة والإعلام فى مجلسى النواب والشيوخ التصدى لهذا الإجراء المقترح مع المعنيين بالموضوع فى مختلف جوانبه قبل أن تقع الفأس فى الرأس.
مقالات اليوم جميل مطر شاهد على بعض خلفيات قمة اليوم الواحد فى بكين عماد الدين حسين سانشيز ويامال.. كل التقدير والاحترام أشرف البربرى أزمة مجانية.. وتكلفة مرتفعة محمود محي الدين أمريكا والصين وتحدى الفخين وليد محمود عبد الناصر المشهد السياسى الداخلى الإيرانى وسيناريوهات ما بعد الحرب.. السيناريو الأول.. تعاظم دور «الحرس الثورى» خالد محمود حق الأداء العلنى.. هل ينصف مجلس الشيوخ الفنان المصرى؟ علي محمد فخرو أسئلة ممارسة موجبات الالتزام السياسى قضايا اقتصادية «أرامكو السعودية» وأزمة «هرمز» صحافة عربية من يبيع الذهب؟.. ومن يشتريه؟ من الصحافة الإسرائيلية فى طريق العودة إلى الحرب.. 4 سيناريوهات فى مواجهة إيران
قد يعجبك أيضا