شاهد على بعض خلفيات قمة اليوم الواحد فى بكين

الأربعاء 20 مايو 2026 - 6:55 م

كل ما يتعلق بالصين يستهوينى، حتى أيام الحرمان والفقر وذكرياتى مع العصافير والذباب وأمسياتى مع زوجة على وشك الإنجاب فى شقة بمبنى سكن الأجانب أثاثها سرير فى غرفة النوم، وكرسيان من الخشب الخالص والمحفور فى صالة استقبال وانتظار، ومائدة كموائد لعب الورق فى غرفة تنتظر مولودا، كلها وغيرها فى عهدة مستر «كان»، الطباخ صاحب التجارب المديدة فى قصور أثرياء العهد الديمقراطى. ما كان ينقصنا، وهو كثير، موجود فى مكان ما. قيل لى من زميل سبقنى أن هذا الموجود سوف يكون متاحًا لى ولأسرتى فور الانتهاء من دراسة تعد أو تحقيق يجرى عن ميولى وسلوكى وأهداف حياتى فى جمهورية الصين الشعبية.
ما أحلى أن تقف وراء نافذة تطل على ساحة وزارة حكومية خرج بعض موظفيها إلى ساحة فضاء شاسعة ليصطفوا متباعد الفرد عن الآخر ولمدة نصف ساعة، والثلج الابيض يتساقط فى دعة وبهاء، يباشرون ما يشبه التمرينات الرياضية ولكنها ليست كذلك. اعتدت على رؤيتهم كل صباح وتقليد بعض حركاتهم غير المفيدة عضليا، ولكنها كما سألت وعرفت تمارين روحانية ونفسية ترقى إلى مستوى الأيديولوجيا. تذكرت أننى رأيت مثلها فى نيو دلهى يمارسها رجال من مختلف الأعمار، كل يحتل ناصية أو ركن من الشارع. بمعنى آخر هى طقوس آسيوية، وبالمناسبة نراها الآن على الشاشات ونسمع عنها من شباب وشيوخ الأقارب والزملاء، يمارسونها تحت دعاوى مختلفة، أظن بل وأثق أنها نوع من الأيديولوجيا المستوردة أو المستخلصة من فلسفات أصولها هندوسية أو بوذية أو صوفية أو مزيج منها مجتمعة أو من فلسفات لا أصول لها.
• • •
كانت بكين أول مدينة صينية أراها أو أهبط فيها باستثناء إطلالة من شباك فندق على مدينة كانتون فى أقصى جنوب الصين وإقامة لأيام فى هونج كونج المدينة الهجين قبل أن يتولى الحزب الشيوعى الصينى أمر إعادتها صينية «نقية». حدث هذا قبل أن يكتمل العقد الأول لتولى الحزب شئون البلاد. سمعت من أستاذ علمنى شيئًا عن عالم الاستعمار الغربى، أذكره يؤكد ضرورة أن نرى بأعيننا الصين قبل الثورة أو نقرأ عنها. وقد رأيت وقرأت وأستطيع الآن أن أعزز تأكيد نصيحة أستاذى وأضيف أن ما رأيت وقرأت ما زال يساعدنى على فهم سلوك الرئيس الحالى «شى» ومن قبله بعقود عديدة الرئيس المؤسس «ماو».
عشت فى بكين وقرأت عنها، ومررت بشنجهاى وقرأت عنها. عشت فى بكين عندما كانت لافتة «ممنوع دخول الصينيين والكلاب» ما تزال تستقبلنا عند مداخل المساحة الشاسعة التى كانت تحتلها مبانى ومدارس ونوادى الطبقة الإنجليزية ذات النفوذ الشاسع فى الصين فى عهد انحدار الإمبراطورية الصينية. قرأنا عن حرب فرضها الإنجليز على حكام الصين الذين تجاوزوا سلطاتهم الممنوحة لهم من المحتل البريطانى فراحوا يمنعون تجارة الأفيون والتى تكسب قوى الاستعمار من ورائها مداخيل هائلة ليست أقل من عائدات احتكار تجارة الشاى. قرأت عن شنجهاى، الميناء الذى تحكمت فيه جميع الدول الاستعمارية بما فيها اليابان وأمريكا وروسيا القيصرية. قرأت عن كيف كانوا يجمعون سنويا الآلاف من جثث الأطفال الرضع الملقاة فى خزانات النفايات ويبيعون الزوجات وبناتهن.
مرة أخرى يتدخل الاستعمار فى دولة آسيوية فيعطل مسيرة تقدمها. التاريخ الاستعمارى يسجل لنا أن أمتين، هما الهندية والصينية، كان مجمل الناتج القومى لكل منهما قبل وصول الاستعمار الغربى واليابانى أعلى من ناتج أى دولة غربية كبرى، تحطمت إمكاناتهما، وبخاصة البشرية وتعطل نهوضهما قرونا. كلاهما على كل حال مستفزان الآن ولدرجة قصوى للنهوض بسرعة وكفاءة لتعويض ما فقد.
أشهد مع كثيرين أننا نعيش مرحلة قد تستحق تسميتها بالقرن الآسيوى فى التاريخ السياسى المعاصر، باعتباره القرن الذى يشهد سلسلة من محاولات النهوض وتعويض ما فات وفقد على أيدى دول غربية، يشهد أيضا، كما هو الحال فى إفريقيا والشرق الأوسط، محاولات قمعها بإثارة نعرات قومية وطائفية وبالوقيعة بين دول الإقليم وتهديد سلامة النظم الحاكمة وقياداتها، حتى الاغتيالات واختطاف المسئولين أعيد ممارستها.
• • •
فى ظل هذا الوضع المتفجر بعضه عن عمد، تشهد الهند ما يستحق أن يطلق عليه ثورة ثقافية، لا تقل أهمية تاريخية عن ثورة الصين الثقافية التى أطلقها الرئيس ماو خلال العقد الأخير من حياته. المرجع فى الحالتين واحد، وهو الاعتماد على جذور أيديولوجية وتراثية ودينية.
اعتمدوا فى الصين على مصادر وينابيع الماركسية اللينينية مزودة بخلاصة الفكر الفلسفى الصينى، أقصد تحديدًا تدوير لحظات التوقف فى مسيرة تطور الأشياء والحركات الثورية بحيث لا تجد القوى المعادية للثورة فرصة للهجوم عليها أو تعطيل تطورها وديمومتها. فى الهند ذهبوا بعيدا فى الزمن ليستعيدوا جوهر وأصول الفكر فى زمن سابق على وصول المغول بطلائع فكرهم الغاطس فى أصوله الآسيوية، وهى الأصول التى ساهمت فى صنع ما يسمى الآن بالإسلام الآسيوى.
وقعت آخر هذه التطورات بينما كانت الولايات المتحدة، الدولة الأقوى فى العالم المعاصر، تستعد لمرحلة انحدار أثرت فى كثير من معالم الزعامة والهيمنة وفى كل ما حولها. كثيرة كانت علامات الانحدار وأسبابه منها ما يلى:
** الدخل الفردى الحقيقى للمواطن يتراجع.
** انتشر الفساد وتعددت أساليبه وخصوصا فى ظل إدارة الرئيس ترامب الراهنة.
** تابعنا وبالقلق الشديد السلوك الشخصى للرئيس وبخاصة سرعة انفعاله وتناقض تصريحاته وميله إلى اطلاق تهديدات عنيفة غير مدرك، أو مدرك، أن القدر من القلق والتوتر الذى تتعرض له دوائر العدو يصيب أحيانا دوائر الرأى العام الأمريكية المتعاملة معه وكذلك حلفاءه.
** فقد متسارع لكثير من عناصر القوة الناعمة الأمريكية.
** اندفاع الرئيس وراء إسرائيل والقوى المالية الصهيونية، والتى يتردد أنها دفعته رغم المعارضة الشعبية لشن الحرب.
** الوقوع أكثر من مرة فى أخطاء بروتوكولية أو تتعلق بمسائل حساسة داخل أمريكا وخارجها، منها مثلا التعدى الصارخ على مكانة بابا الفاتيكان، منها أيضا التصرفات غير المقبولة أثناء الزيارة الرسمية لملك المملكة المتحدة.
** بسبب هذا الانحدار يضاف الآن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تكسب حربا واحدة شنتها منذ حملة أفغانستان والتدخل العسكرى المستمر حتى الآن ضد العراق، كذلك يحتج مناصرون لترامب على عملية اختطاف رئيس دولة فنزويلا فضلا عن تهديداته المتكررة ضد كندا والمكسيك وبنما وجرينلاند وكوبا وغيرها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة