x قد يعجبك أيضا

فى ذكرى الوحدة وعن ضرورتها للشعوب العربية

الأربعاء 18 فبراير 2026 - 8:15 م

تمر يوم 22 فبراير، أى بعد أيام معدودة، الذكرى الثامنة والستون لقيام دولة الوحدة المصرية السورية، وهى التجربة الوحيدة من الناحية العملية، إذا ما نحينا جانباً وحدة شعبى اليمن فى الشطرين الشمالى والجنوبى فى شهر مايو من عام 1990، للوحدة الاندماجية التى تمت بين شعبين عربيين منذ استقلال البلدان العربية عن الاستعمار الأوروبى، والذى بدأ مع نهايات الحرب العالمية الثانية فى عقد الأربعينيات من القرن العشرين، وربما ينظر إليها البعض باعتبار أنها قد تكون التجربة الأخيرة أيضاً فى هذا المضمار فى ضوء تغير الظروف والأحوال، سواء داخل الوطن العربى، أو فى أنماط علاقاته وتفاعلاته مع العالم الخارجى، أو على صعيد المشهد العالمى بأسره.
وليس الهدف من هذا المقال تناول تجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا (فبراير 1958 – سبتمبر 1961) أو تحليل أسباب الوحدة أو الانفصال؛ حيث إن الكثير من الكتابات تناولت هذه الموضوعات بالكثير من التفصيل والتعمق، بما فيها كتابات لكاتب هذه السطور، ولكن المستهدف هنا هو التعرف على حقيقة أن مطلب الوحدة العربية والدعوة إلى تحقيقها، مع تعدد أشكال الوحدة وتنوع صورها وتدرج خطواتها، لا يعد من قبيل الأحلام الطوباوية أو الأهداف التعجيزية غير القابلة للتحقيق على أرض الواقع، كما أنه ليس مطلباً لا يتناسب مع الزمن الذى نعيشه أو مع الواقع العربى وظروفه والبيئة المحيطة به ومتطلباته، كما يدفع البعض من داخل صفوف الأمة العربية أو من خارجها، بل إنه مطلب ملح وضرورة حياتية للشعوب العربية كشرط لاستمرار البقاء ولتحقيق الأهداف التاريخية فى التحرر والتقدم فى عالم صار لا يعترف ولا يرحم الكيانات الصغيرة أو المفتتة أو المشتتة أو المنقسمة أو المجزأة.
ولا يعنى ما تقدم أننا نقول بأن تحقيق الوحدة العربية هو من قبيل الحتميات التاريخية، كما دفعت بذلك بعض التيارات الفكرية والسياسية العربية على مدار عقود، بل ربما قرون، كما لا يعنى أننا نتبنى هذا الموقف ونطرح هذه الدعوة لأسباب أو دوافع أيديولوجية، بل إن الأمر يتجاوز الأيديولوجيات والأفكار والانحيازات والمسلمات المسبقة إلى الواقع العربى المعاش وما يمليه وما يتطلبه.
فقد أدت حالة التجزئة العربية وما ارتبط بها من سياسة محاور عربية إلى إيجاد حالة من الانقسام ما بين البلدان العربية منذ استقلال البلدان العربية وحتى اللحظة التاريخية الراهنة، وهو الأمر الذى أدى ضمن نتائج وتداعيات سلبية أخرى إلى حروب عربية باردة أحيانا وملتهبة ومتفجرة أحياناً أخرى وحروب فيما بين الدول العربية بالوكالة فى حالات ثالثة، وصراعات فيما بين بعض الدول العربية، سواء داخل حدود الوطن العربى أو خارجها، على النفوذ السياسى أو الثروات والموارد الاقتصادية أو مصادر الإنتاج الزراعى والمواد الخام أو طرق الملاحة البحرية الحيوية ذات الأهمية الاستراتيجية، أو غيرها من مقومات القوة الاقتصادية والجيو سياسية.
ولا ينفى ما تقدم على الإطلاق دور الأطراف الخارجية، سواء أطراف إقليمية غير عربية أو أطراف دولية، فى تغذية بذور الفرقة بين البلدان العربية بهدف الحيلولة دون وصول العرب إلى مراحل متقدمة من التعاون والتنسيق والتضامن والتكامل والوحدة، من خلال الوقيعة فيما بين أطراف النظام الإقليمى العربى، وذلك لأن تلك الأطراف غير العربية تعلمت جيداً من دروس التاريخ، بما فى ذلك التاريخ الحديث والمعاصر، أنه فى المواقف واللحظات التى تحقق فيها قدر من التضامن العربى، وحتى دون الوصول إلى مرحلة الاتحاد أو الوحدة العربية، فقد حققت الأمة العربية خلالها انتصارات وإنجازات واختراقات نوعية وحطمت القيود المفروضة عليها وعلى تحررها وتقدمها.
ويتطلب الوصول إلى مرحلة متقدمة من التضامن العربى القابل للاستدامة وللتطوير، عندما تتوافر الظروف الموضوعية لذلك، إلى مرحلة أكثر تقدماً من أشكال مؤسسية متنوعة من الاتحاد والوحدة العربية، أموراً عديدة لإنشاء بنية تحتية قوية وصلبة تصلح للبناء عليها لتحقيق هذه الأهداف، وربما يكون من المتفق عليه أن أولها يمر من خلال إيجاد صيغ لتعزيز التعاون والتبادل والتكامل الاقتصادى العربى وإيجاد تقسيم عربى للعمل فى مجال الأنشطة الاقتصادية قائم على مبدأ التخصص بناء على الميزات النسبية الاقتصادية لكل دولة عربية وتجنب المنافسة الاقتصادية البينية العربية، وذلك بغرض تلبية واقع المصالح العربية المشتركة فى هذا القطاع الحياتى الحيوى والهام والاستراتيجى، وكذلك عبر بوابة فصل موضوع التعاون والتكامل الاقتصادى تماماً عن أى خلافات أو اختلافات حالية أو مستقبلية فى المواقف السياسية وعن أى تبدلات أو تغييرات فى النظم السياسية والحكومات.
وثانى هذه الأمور هو العمل المنظم والممنهج، من خلال الحكومات ومنظمات المجتمع المدنى على حد سواء وبالتعاون بينهما، بهدف نشر ثقافة عربية تقرب ولا تبعد، توحد ولا تفرق، بدون أى تجاهل لقيمة الثقافات المحلية المتنوعة والثرية داخل كل بلد عربى، وبدون أى نكران أو تقليل من قدر ودور ومكانة الشعوب والأمم التى هى شريك تاريخى أساسى ومستمر منذ قرون للعرب فى الدول العربية وفى مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقرن الأفريقى وشرق إفريقيا، فى أوقات السراء والضراء، وفى مقدمتهم الأكراد والأمازيج وغيرهم من شعوب ساهمت فى بناء الحضارة العربية الإسلامية وفى تحقيق انتصاراتها وإنجازاتها وفى المعاناة من هزائمها وانكساراتها وانتكاساتها، وكذلك مع إدماج كل معطيات الأديان والعقائد التى ينتمى إليها أبناء الشعوب العربية، وهم جميعاً، أياً كانت خلفياتهم الدينية والعقائدية، قد أسهموا على مدار التاريخ فى بلورة وتطوير الحضارة العربية الإسلامية.
إن استمرار التناحر العربى/ العربى ليس من شأنه فقط إضعاف الوزن والتأثير والثقل والدور العربى، سواء دولياً أو حتى داخل الإقليم الذى يمثل العرب فيه الغالبية، ولا مجرد السماح بهامش واسع من تدخلات الأطراف الإقليمية غير العربية والأطراف الدولية فى الشئون العربية العامة أو فى الشئون الداخلية التى تخص كل بلد عربى على حدة، ولا إلى مجرد إجهاض تحقيق الأهداف التاريخية للأمة العربية فى التحرر والتقدم، بل من شأنه أيضاً، وعلى المدى الطويل، أن يهدد الوجود العربى فى هذه البقعة من العالم، بما تحمله من موقع استراتيجى يتوسط العالم وطرق ملاحة دولية وممرات بحرية دولية حيوية وثروات طبيعية ومعدنية واحتياطيات ضخمة وطاقات بشرية وإمكانات وفرص مستقبلية ومهبط للأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام.
ولا نرى فيما تقدم أى نوع من أنواع المبالغة أو التهويل، فهناك العديد من الأمثلة التاريخية التى تشهد على مدى تردى أحوال العرب وأوضاعهم عندما تفشت فى صفوفهم الانقسامات والصراعات واستقواء بعضهم بأطراف غير عربية ضد أطراف عربية أخرى، نذكر منها هنا فقط على سبيل المثال لا الحصر الحملات الصليبية من أواخر القرن الحادى عشر وحتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر الميلادى، وغزو التتار فى القرن الثالث عشر الميلادي، ثم الحالة الأكثر صدمة ودراماتيكية وهى انتهاء الوجود العربى كليةً فى الأندلس بحلول نهاية القرن الخامس عشر الميلادى.
ومن المأمول أن يستفيق العرب فى وقت مبكر وقبل فوات الأوان ويدركوا أن فى تضامنهم ووحدة صفهم تكمن ليس فقط فرص تحررهم وتقدمهم بل شرط استمرار وجودهم كأمة تساهم فى صنع التاريخ وتحظى بحقوقها وتحافظ عليها وتقوى على حمايتها فى عالم اليوم والمستقبل، الذى لن تعيش فيه إلا الكيانات الكبرى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة