كان الصيف البيروتى فى عام 1977 حارًا بصورة استثنائية ذلك العام. وكان من الواضح أن شدة الحر التى «نادرًا ما شاهدنا مثلها فى القاهرة» تزيد من تأفف صنع الله إبراهيم، الذى اعتدنا عليه أن يُبدى من الضجر والانزعاج أضعاف ما يُبديه الآخرون، وغالبًا لأسباب أقل أهمية بكثير! يومها كان عائدًا لتوّه من موسكو فى طريقه إلى القاهرة. وكان المرور البيروتى بالنسبة إليه إلزاميًا. ومن هنا، ولأنه سيبقى فى العاصمة اللبنانية أيامًا عدة، كان من الطبيعى أن يزورنى فى مكتبى بجريدة «السفير» للسلام كالعادة، ولكن أكثر من ذلك ليفاجئنى بخبر كان يُصرّ على أنه بالغ السرية. فحواه أنه اتخذ قراره بأن ينتقل، ولو بصورة جزئية، من الإبداع الأدبى إلى المساهمة فى الإبداع السينمائى.
كان صنع الله الوحيد الذى يحافظ على سرية تلك المفاجأة. فجميعنا كنا نعرف أن ما فعله فى موسكو طوال الفترة السابقة كان دراسة السينما، بل حتى تحقيق فيلم «تخرج» فى المعهد السينمائى نال عليه درجة ممتازة. لكن الأهم من ذلك أن كاتبنا الكبير والمتأفف دائمًا، والذى ستسفر إقامته التى طالت حينذاك فى لبنان عن رواية عن الحرب فى هذا البلد، لن تكون من أفضل كتاباته على أية حال. هو سيعزو ذلك إلى كونه قد استغرق فى تفكير موضوعها سينمائيًا ولم يهتم بأسلوب أدبى لصياغتها.
فى ذلك الحين إذًا، كان صنع الله إبراهيم، مبدع «تلك الرائحة» وغيرها من روايات حازت مكانتها المميزة على الخارطة الأدبية العربية، وليس المصرية فقط، منشغلًا بالسينما إلى حدود الهوس. ومن هنا، حين اقترحت عليه خلال زيارته مكتبى أن نجرى حوارًا لـ«السفير»، ألحّ على أن يكون حوارًا سينمائيًا، وهو يكشف لى سرًا آخر من «أسرار» ذلك اللقاء: إنه عائد لتوّه من إقامة طويلة فى «معسكر» استنكف عن تحديد مكانه وزمانه، أمضاها برفقة عمر أميرالاى ومحمد ملص فى «مكان ما» من هذا العالم. والحقيقة أننى كنت على علم بتلك الإقامة، لكنى كنت، كما آخرون، أعتقد أن الثلاثة يشتغلون معًا على أفلمة واحدة من روايات كاتبنا الطيب المبدع. ولكن، لا... «بل كنا نكتب معًا السيناريو المبدئى لفيلم لا علاقة له برواياتى».
أجرينا اللقاء خلال الأيام الثلاثة التالية، حينًا فى بيتى، وحينًا فى مكتبى، والحين الثالث فى جولة بين المقاهى البيروتية فى شارع الحمرا وعلى مطلّ البحر فى منطقة الروشة. والحقيقة، وكما أصرّ صنع الله إبراهيم منذ البداية، كان الموضوع الأساسى للحوار الذى نشرته فى «السفير» السيناريو الذى اشتغل عليه الكاتب مع رفيقيه السينمائيين فى… موسكو، ولكن لحساب شركة ألمانية موّلت الإقامة الممهدة للعمل على المشروع، بحماس، ما إن علمت بأنه سيكون فيلما تاريخيا عن «ثورة القرامطة». وكانت تلك المفاجأة الأساسية فى مجمل حديثنا مع صنع الله إبراهيم يومذاك على أية حال.
لقد تحدثنا خلال الحوار الطويل، الذى نشرت أجزاء منه فقط على صفحتى فى «السفير»، لكن الأجزاء الباقية ضاعت للأسف، عن أمور كثيرة، من بينها مجمل الهجومات التى كان صنع الله معتادًا على شنّها على كبار الكبار فى الإبداع العربى، غير آبه بمكانتهم وبشعبيتهم، متوخّيًا على الدوام، وبحسب تعبيره، فضحهم و«عدم السكوت عن ارتهاناتهم للأنظمة القمعية». فإن سألته: عن أية أجهزة يتكلم؟ يجيبك: عن الكل. فصنع الله المشاكس أبدًا، والغاضب أبدًا، والمتأفف أبدًا، كان من عادته أن يضع كل خصومه فى سلة واحدة، سواء كانوا أنظمة حاكمة أو مبدعين تابعين أو جمهورًا متابعًا بدوره. ومن هنا لم يكن هناك ما هو جديد فى ذلك القسم من الحوار. أما الجديد فكان فى السينمائية الطاغية التى باتت الآن من شيم كاتبنا المستجدة، وما رافقها من اهتمام بالتاريخ والسينما التاريخية، وما قاده إليه ذلك كله من اهتمام بالقرامطة.
والحقيقة أن حماسته للقرامطة وتاريخهم لم يكن ليعادله لديه سوى الانخراط فى ذلك التاريخ، وكأنه لا يزال حيًا ويتمثل فى «القوى المعادية اليوم، ليس فقط للإمبريالية الأمريكية، وليس فقط للصهيونية العالمية، بل أيضًا، وخاصة، للرجعيات العربية». وكان من نافلة القول يومها أنه يعنى بالرجعيات كل الناس من المحيط إلى الخليج «ما عدا الشعوب البائسة» التى انتفض القرامطة، «لا سيما فى جنوب العراق ومناطق التخوم فى سواد الخليج العربى»، لدحرها.
كان حماس صنع الله مريعًا. لكنه، بقدر ما كان تاريخيا وسياسيا، بل حتى ميكانيكيًا فى استعادته، كان اقتصاديًا كذلك، فـ«هم، فى رأيه، سبقوا ماركس ولينين وحتى جيفارا وجرامشى، وكل ثوريى زماننا فى الثورة على الأوضاع الاقتصادية يا رفيقى»، قال لى بصوت يكاد يكون هامسًا، وكأنه يكشف أمامى سرًا ستدفع الـ«سى آى إى» الملايين مقابل الحصول عليه. سألته: «ولكن كيف ستعبرون أنتم الثلاثة عن ذلك سينمائيًا؟». فارتسمت ابتسامته وهمس بصوت أكثر انخفاضا بأن ذلك هو السر الذى قرر وأميرالاى وملص ألا يكشفوه لأحد، وتحديدًا «حتى يوم العرض الأول للفيلم الذى سيكون بعد عام.
فالمشروع جدى، والعمل سيبدأ قريبًا، والفيلم سيكون أكبر فعل ثورى فى تاريخنا العربى. بل سيكون درسًا فى التاريخ والسينما وفى علم الثورة الحقيقى».
كان صنع الله إبراهيم يومها صادقًا فى كل ما يقوله. ومع ذلك فإن الفيلم لم يرَ النور على الإطلاق، بل انضم، كحال فيلم «جبران خليل جبران» الذى اشتغل عليه برهان علوية سنوات طويلة دون أن ينجزه بالطبع، إلى القائمة الطويلة التى قد تضم فى تاريخ السينما العربية وحدها مئات المشاريع المجهضة لأفلام لم ترَ النور أبدًا. وهى، على أية حال، من صنف الأفلام التى يبقى الواحد منها حلمًا يداعب خيال مبدعه دون أن ينتقل إلى أية شاشة من الشاشات.
وغالبًا ما يبقى الحلم حلمًا فرديًا. أما هنا، فى حالة مشروع "القرامطة"، فإنه تجاوز ذلك ليضحى حلمًا لحالمين ثلاثة تفتقت أذهانهم، وفى موسكو تلك الأزمنة الغريبة على أية حال، ولهذا الواقع دلالاته، عن حكاية سينمائية كانت تمثل بالنسبة إليهم واحدة «من أكبر الثورات الإبداعية فى التاريخ الفنى العربى الحديث»، بحسب تعبير صنع الله الذي، خلال حوارى معه، لم يكن ليتصور أبدًا أن مثل هذا الفيلم لن يتحقق أبدًا. بل لن يُقيّض له مصير يشبه، على الأقل، المصير الذى سيكون من نصيب واحد من أعظم تلك الأفلام/الأشباح، أى التى وجدت على أرض واقع ما، ولكن ليس على الشاشات بأية حال من الأحوال.
ونشير هنا بالطبع إلى مشروع ستانلى كوبريك المتعلق بفيلم «نابوليون»، الذى اشتغل على تحضيره طوال ما يقرب من 20 سنة، ومات دون أن يحققه، تاركا ألوف التخطيطات والرسوم والتفاصيل إرثًا لمن سيأتون من بعده. ويعرف كثر الآن أن ذلك المشروع قد انتهى بين دفتى كتاب رائع أصدرته منشورات «طاشن» الألمانية فى سبع لغات، فى مجلد بالغ الأناقة والتبويب والأهمية، تمكّن الباحثون عبره من التمعن فى دراسة سينما كوبريك، وربما بأفضل مما تمكنوا عبر أفلام هذا الأخير التى تحققت بالفعل. لكن «قرامطة» صنع الله إبراهيم – ومعه عمر أميرالاى ومحمد ملص – عجزوا عن الحصول حتى على ذلك الشرف، مع أن دراسة هذا المشروع يمكنها أن تكشف عن صفحة بالغة الأهمية من مدونات تاريخنا السينمائى الإبداعى العربى، كما حال «جبران» علوية.