x قد يعجبك أيضا

إشعال جداول المخدرات: كل ده كان ليه؟

الخميس 19 فبراير 2026 - 8:12 م

الارتباك المتوقع في تبعات حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية وسقوط قرارات رئيس هيئة الدواء بتعديل جداول المخدرات وإعادة هذا الاختصاص إلى وزارة الصحة، يحتّم علينا أن نسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن يتحمل الخطأ؟

المحامي والإعلامي خالد أبو بكر أشار في برنامجه "آخر النهار" إلى التكلفة التي قد تتحملها الدولة والعدالة، خاصة في الحالات التي تقتضي دراسة أوضاع المدانين في قضايا المخدرات منذ بدء تعديل الجداول بقرارات رئيس هيئة الدواء مطلع عام ٢٠٢٠، لا سيما المواد المخلّقة التي غُيّر موقعها في الجدول من القسم الثاني الى القسم الأول (ب) لتشديد العقوبة.

فهل كان يمكن تفادي الأزمة؟ وما الذي تسبب في عدم حسم مسألة التفويض التشريعي لرئيس هيئة الدواء مبكرًا؟

القراءة الهادئة للحكم الدستوري تكشف أن المشكلة الحقيقية هي غموض وعدم إحكام صياغة المادة الثانية (إصدار) من القانون رقم ١٥١ لسنة ٢٠١٩ بشأن إنشاء الهيئة. حيث نصت على حلول رئيس الهيئة محل وزير الصحة في جميع اختصاصاته المقررة بقانون الصيدلة لتنظيم تسجيل وتداول المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لذلك القانون "دون أن يتجاوزها إلى الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات" بحسب الحيثيات التي لم تقبل التعريف الواسع لعبارة "القوانين ذات الصلة" المذكورة في المادة.

تتمحور الأسانيد الخمسة التي أوردتها "الدستورية" في الحيثيات حول القصور في نصوص القانون. كما نفهم من الحيثيات أن التفويض التشريعي العام والمجهّل -باستخدام عبارات مثل القوانين ذات الصلة أو الأخرى- لا يمتد إلى جداول المخدرات اللصيقة بقانون مكافحة المخدرات، بما لها من صفة تشريعية عقابية على درجة عالية من الحساسية والتأثير على حقوق وحريات الأفراد ومشروعية المحاكمات الجنائية.

سارع البعض إلى انتقاد هيئة الدواء والحقيقة أنها بريئة تمامًا من تجاوز سلطتها. فقد كان الاتجاه الحكومي واضحًا لإسناد الاختصاص لها وطبّقت كل جهات الدولة قراراتها في هذا الشأن، لكن هذا لم يُترجم بنص صريح في القانون يُغنينا عن هذه الدوّامات.

والمسئولية هنا سياسية في المقام الأول، تقع على عاتق مجلس النواب صاحب السلطة التشريعية والحكومة ممثلة السلطة التنفيذية.

لقد أثار الأمر خلافًا في التطبيق منذ عام ٢٠٢١ عندما لجأت هيئة الدواء إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة (أعلى جهة إفتاء قانوني في مصر) التي أصدرت فتوى بأن رئيس الهيئة هو صاحب السلطة المختصة بتعديل الجداول. ثم لجأ وزير الصحة مرة ثانية إلى "الفتوى والتشريع" في العام القضائي التالي وبتشكيل مختلف، فأكدت اتجاهها السابق.

واستقرار إفتاء مجلس الدولة على ذلك لا يعفي الحكومة أو مجلس النواب من مسئولية تجاهل جرس الإنذار!

فقد ثار الخلافان خلال فترة قصيرة بعد صدور القانون، وتفسير الفتاوى للقانون لا تقيّد المحاكم ولا تلزمها بالتفسير ذاته، ثم تعددت دفوع المحامين أمام المحاكم بدرجاتها ضد اختصاص رئيس هيئة الدواء بتعديل الجداول، كما نبّه عدد كبير من المحامين والباحثين إلى ضبابية نص التفويض التشريعي، وعدم حسمه، مما يجعل قرارات رئيس هيئة الدواء مشوبة بشبهة عدم الدستورية كما رأت محكمة النقض عندما أحالت القضية إلى "الدستورية".

وقد يسأل البعض: هل الخلاف طبيعي بين "الدستورية والنقض" من جانب ومجلس الدولة من جانب آخر. الإجابة: نعم وحدث كثيرًا في نظامنا القضائي المزدوج، ليصبح حسم هذه المسائل الخلافية دورًا رئيسًا للمحكمة الدستورية.

كان يجب عندما ثار الخلاف لأول مرة أن تتنبه الحكومة أو مجلس النواب إلى خطورة المسألة وتعلقها بتطبيقات قضائية في أخطر ملف على عقول المصريين وصحتهم، لإجراء تعديل طفيف ومحدد على المادة الثانية (إصدار) من القانون ١٥١ لسنة ٢٠١٩ بصياغة حاسمة تحدد المختص بتعديل جداول المخدرات، فتستقر الأوضاع مبكرًا، ولا نقع جميعًا في حومة التفسيرات المتعارضة والشائعات عن البراءات التلقائية وسقوط العقوبات كما يحدث الآن.

هذا درسٌ للمستقبل. الوضوح والإحكام من أسس التشريعات لنضمن قابليتها للتطبيق والاستمرارية، والدراسة المتجددة للأثر التشريعي فريضة مهجورة، وتفعيلها ليس رفاهية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة