العقل النقدى.. التراث العربى والمنهج النقدى والمناظرات العلمية

الأربعاء 17 ديسمبر 2025 - 8:50 م

ولد العقل النقدى مع الإنسان، وسهلت شبكة الإنترنت الاستدعاء من الماضى السريع للنقد، فتصاعدت حدة النقد على كل الأصعدة، فهل لدى أى سلطة القدرة على الحد من هذا النقد وإدارة نقاش معه، وألا يتحول هذا النقد إلى حالة من السخط؟

 


لكن ما هو النقد إذًا: النقد هو الجهد العقلى والعملى الذى يتجه لعدم تقبل الأفكار وأساليب القول والفعل والسلوك والظروف الاجتماعية والتاريخية وسائر العلاقات التى بعالمه ومجتمعه تقبلًا أعمى، وهو جهد يبذل للتوفيق بين جوانب الحياة الاجتماعية وبين الأفكار والأهداف العامة للعصر، يكون تمييز المظهر فيها من الجوهر، والبحث فى أصول الأشياء وجذورها، وفى المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح.. إلخ، أى معرفتها معرفة تفضى إلى تغييرها من أساسها على هدى «نموذج» متصور وممكن فى آن واحد.

 

 

لكن هل وجد النقد فى تراثنا العربى والثقافة العربية؟

 


نعم وجد، لكن تم تهميشه لصالح مبدأ السمع والطاعة حفاظًا على سلامة المجتمع من نزاعات بعضها متوهم، لكننا نلاحظ أنه منذ فترة مبكرة كان المفكرون والفلاسفة المسلمون مهتمين بالإقناع والإفهام الذى عبر عنه الجاحظ بالبيان والذى يقول عنه: «البيان اسم جامع لكل شىء كشف لك قناع المعنى وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضى السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنًا ما كان ذلك البيان، ومن أى جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التى كان يجرى إليها القائل والسامع هى الفهم والإفهام، فبأى شىء بلغ الإفهام وأوضح عن المعنى فذلك هو البيان فى ذلك الموضع».
يظهر هذا التعريف أن بلاغة الجاحظ تكتسى بُعدًا تداوليَّا، بحيث تعتنى بقضية «إفهام السامع، وإقناعه» فالإفهام بهذا المعنى ينطوى على استحضار الآخر من جهة، واعتبار الوظيفة التواصلية للقول من جهة أخرى.
الجاحظ من هذا المنطلق هو صاحب نظرية الإقناع، فقد انتبه إلى سلطان الكلام وعارضة الاحتجاج، وما لهما من مفعول فى الاستمالة وجلب انخراط المستمعين، لذلك ربط البلاغة بالإقناع، يقول الجاحظ: «جمع البلاغة البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة».
فالبلاغة تغدو وسيلة للتأثير على المستمع، والظهور عليه وإقناعه بالرأى، إن القول البليغ منذور لتحويل حياد المتلقى أو معارضته إلى تجاوب، لخص دكتور محمد العمرى الأغراض الإقناعية حسب تصور الجاحظ فى: «استمالة القلوب والتصديق وفهم العقول وإسراع النفوس والاستمالة والاضطرار والتحريك وحل الحبوة».

علم الجدل والمناظرة

 


برزت حاجة المجتمعات إلى علم الجدل الذى يبين محيى الدين بن الجوزى مدى الحاجة إليه على النحو التالى: «اعلم - وفقنا الله وإياك أن معرفة هذا العلم لا يستغنى عنها ناظر، ولا يتمشى دونها كلام مناظر، لأنه به تبيين صحة الدليل من فساده- تحريرًا وتقريرًا. وتتضح الأسئلة الواردة -من المردودة- إجمالًا وتفصيلًا، ولولاه لاشتبه التحقيق فى المناظرة بالمكابرة ولو خلى كل دمع ودعوى ما يرومه على الوجه الذى يختاره، ولو مكن كل مانع من ممانعة ما يسمعه -متى شاء- لأدى إلى التخبط وعدم الضبط، إنما المراسم الجدلية تفصل بين الحق والباطل، وتميز المستقيم من السقيم فمن لم يحط بها علمًا كان فى مناظرته كحاطب ليل.
تتحدد المناظرة إذًا بخواصها التخاطبية والجدلية، ومن ثم فهى ممارسة حجاجية تهدف إلى تشكيل رأى أو معرفة مشتركين، وبذلك فهى تتطلب طرفين فى وضع تفاعل. تطورت المناظرة فى التراث العربى الإسلامى عن الخطابة، واستنبطت الكثير من آلياتها الإقناعية إلا أنها انطبعت أكثر بسمات الحاجة الفكرية والمذهبية.
لم تكن المناظرة فى التراث العربى تنازلًا أو صراعًا بلا معنى بل شكلت نوعًا من المفاكرة القائمة على احترام الآخر ورأيه، واكتسبت صفة البحث المعرفى.
يزخر تراث العرب بالحوارات الفكرية الثرية التى كان منبعها ترشيد الصراع الفكرى والمذهبى والحيلولة دون تحوله إلى صراع عنيف، كان العرب يهدفون من حواراتهم الانتصار للحق، وهو هدف يختلف تمامًا عن الجدل اليونانى الذى يقوم على الانتصار للرأى صائبًا أم خطأ، هكذا اختلفت الرؤيتان وانطلاقتهما الفلسفية، وانعكس هذا فى احترام المذاهب الإسلامية على اختلافاتها للآراء المتضاربة أحيانًا، وهو ما يبرز آداب المناظرة والحوار، وهو ما افتقدناه فى الخطاب العربى المعاصر.
اختفى علم الجدل والمناظرة من أدبيات العرب المعاصرة، إذ جرى وأده لأنه لا يتسق مع سمة الأنظمة العربية، وعلى جانب آخر رأت فيه تيارات الإسلام السياسى نسقًا يتضارب مع فكرة السمع والطاعة والتبعية، كما أن ضعف التكوين للدعاة وعلماء الدين العلمى لا يصب لتكوين علماء لديهم القدرة على خوض غمار الجدل، فى حين أن علم الجدل ما هو إلا ترشيد لاختلاف الآراء ولو جرى الاستثمار فيه سيصب فى صالح المجتمعات العربية، إذ سيرشد التعصب الدينى والمذهبى، وسيحدث حوارات صحية حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن المناظرة بوصفها جنسًا حجاجيًا تبلور فى الثقافة العربية الإسلامية بفعل عوامل دينية وسياسية وثقافية/حضارية، فالعوامل الدينية، ارتبطت بالدعوة السمحة والمفتوحة للقرآن، بحيث شكلت خصائصه الحوارية والجدالية دافعًا قويًا نحو تبلور جنس المناظرة ونشاطه، وارتبطت العوامل السياسية بالتدافع بين الشرعيات وأوجه الصراع السياسى حول الخلافة، أما العوامل الثقافية - الحضارية فتعود إلى الصراعات المذهبية وحصيلة التفاعل بين المذاهب والأفكار والمرجعيات والأجناس والأقوام، وهى عوامل ساعدت على تطور هذا الخطاب وشجعت على تناميه، فكانت النتيجة أن شكلت المناظرة جنسًا قائم الذات مستوى المعالم، كما انبث منهجًا فى صلب خطابات الثقافة العربية الإسلامية على اختلاف ميادينها واهتماماتها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة