سؤال فى الحضارة!
الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:40 م
نشرت جريدة البيان الإماراتية مقالا للكاتبة عائشة سلطان، ترى فيه أن الفن العظيم هو «تجسيد للحظة تاريخية كاملة»، وبالتالى لا يمكن استنساخه كقالب جامد، بل يمكن فقط الاستلهام منه والبناء عليه لتقديم إجابات جديدة تتناسب مع تحولات العصر الراهن.. نعرض من المقال ما يلى:
زرت الكثير من دول العالم، وتعرفت على ثقافات وإبداعات لا حدود لها، وإرث متراكم ومتغلغل فى مفاصل الحضارة الإنسانية يشهد على دورها وجهد أبنائها وبصماتهم فى الفن والمعمار والموسيقى والصناعات المختلفة وفى الأدب والشعر والغناء والفلسفة وأنظمة الإدارة والسياسة… إلخ. ولطالما وقفت تملؤنى الدهشة ويسيطر على الإعجاب والانبهار أمام قصور الأندلس، وقصور أباطرة أوروبا، وموسيقى موزارت وبيتهوفن، وإبداعات فنانى عصر النهضة الإيطاليين أمثال دافنشى ومايكل أنجلو، كذلك وأنا أسمع فيروز وموسيقى الرحابنة، وأم كلثوم وجموع الملحنين العباقرة الذين تواجدوا معها فى اللحظة نفسها.
هذا التأمل يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا من الصعب إعادة إنتاج تجارب عظيمة وعميقة فى الفن والأدب والموسيقى والفلسفة وغيرها كتلك التى ظهرت وشاعت فى القرون والسنوات الماضية: مثل فنانى عصر النهضة العظام، ومثل بروز عباقرة مثل بيتهوفن وموزارت، وكتجربة فيروز والرحابنة فى الوطن العربى، وتجربة الكتاب الروس العمالقة، وتجربة السينما الإيطالية، وتجربة الفن المصرى منذ بداياته وحتى الستينيات؟
هل هناك خلل فى تركيبة السؤال أم أنه يمكننا تعديل البناء العام للسؤال؟ حيث من المفترض (حسب ظنى) أن هذه التجارب العظيمة يمكن «استنساخها» أو إعادتها أو حتى البناء عليها لإنتاج تجربة ليست بعيدة عن العظمة، لكنها مختلفة تتفق مع التحولات التى حصلت فى كل مكان! لكن إذا توفرت الموهبة والإمكانيات والموارد والأسئلة، لأن تلك التجارب كانت كل واحدة منها إجابة على تحد أو سؤال وجودى عظيم.
وهنا علينا أن نستدرك أمرًا مهمًا، وهو أن فرادة اللحظة التاريخية وليس فقط الموهبة هى ما صنعت هذه التجارب العملاقة، ففى تجربة فيروز مع الأخوين رحبانى لم تكن فيروز مجرد صوت جميل أو ألحان متقنة، بل فن عمل على تشكيل الهوية اللبنانية بعد الاستقلال، مع إعلاء قيم الحنين والانتماء لكل التفاصيل اللبنانية، الطبيعة والإنسان والكرامة، مع الحفاظ على توازن نادر بين البساطة والشاعرية، هذا النوع من «التوازن» يولد من قلق جماعى وأسئلة وجودية فى زمن معيّن.
الحقيقة فإن هذه التجارب لم تكن مجرد فن فقط، بل لحظة تاريخية كاملة تجسّدت فى فن، ولهذا يصعب تكرارها كما هى، لكن من الممكن استعادتها والبناء عليها.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا