x قد يعجبك أيضا

كيف نحمى المرضى من الدجالين؟

الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:40 م

للتوضيح؛ يناقش هذا المقال أفكارًا وممارسات طبية فقط، ولا يتعرض للأشخاص، ونتمنى الرحمة والمغفرة للموتى.

ينتشر فى مجتمعنا عدم الثقة فى الأطباء لأسباب مختلفة، مما يدفع الناس إلى البحث عن المشورة من مصادر متنوعة، بعضها لا يمت للطب بصلة. وتعتمد معظم قصص النجاح التى يرويها الدجالون على الصدفة والتأثير الوهمى للعلاج (placebo effect).

للتأكد من فعالية أى علاج جديد، يجب إجراء دراسة علمية وتحليل إحصائى مناسب على عدد كافٍ من المرضى، مع مجموعة تحكم (control group)، وأسلوب التعمية المزدوجة (double blind)، لتقليل احتمالات الصدفة والتأثير الوهمى وتحيزات الباحث.

الطب علم قائم على أسس علمية دقيقة، وليس مجرد تخمين أو رأى شخصى. وتخضع ممارسة الطب لتوجيهات من جمعيات متخصصة تستند إلى أدلة علمية، ويُرفض خلط الطب بالمعتقدات الدينية.

• • •

انتشرت ظاهرة «طب الطيبات» سريعًا فى بيئة مهيأة للعلم الكاذب، وتعانى من جرثومة التخلف التى أدت، وفقًا للدكتور مراد وهبة، إلى رفض التساؤل، وتقديس الماضى، وتفسير المرض على أنه سحر أو حسد، والكوارث الطبيعية على أنها غضب إلهى، والاعتماد الأعمى على آراء القدماء دون تساؤل أو نقد.

لقد جعل هذا التخلف الفكرى المجتمع معاديًا للعلم، وللأسف يشمل ذلك أشخاصًا يتحصنون بلقب دكتور، ولا يعترضون على النصائح الضارة التى يقدمها طب الطيبات بجرأة مذهلة. تتضمن هذه النصائح أمورًا مثل تقليل شرب الماء، والتوقف عن تناول بعض الأدوية المهمة لمرضى السرطان والسكرى، وإنكار أضرار التدخين التى أثبتتها، على وجه الخصوص، دراسة دول وهيل فى بريطانيا. هذه الدراسة بدأت عام 1950 واستمرت خمسين عامًا، وقدمت أقوى دليل على العلاقة بين التدخين وسرطان الرئة.

ومن الجدير بالذكر أن تقديم نصائح تضر بصحة المريض يُعد خيانة لمهنة الطب وقسم الطبيب بعدم إلحاق أى ضرر بالمريض.

يعتمد طب الطيبات أساسًا على آراء شخصية ومحاولة تبريرها بأسلوب علمى زائف وغطاء دينى، مع رفض أى نقد، واعتقاد وهمى بأنه يُهاجم لأنه رائد طليعى يبحث عن تغيير الكثير من المعتقدات الطبية السائدة.

بالطبع، يجب التسليم بأن التغيير يتطلب مفكرين يفكرون خارج الصندوق لإحداث تغيير فى المفاهيم السائدة، ولكن الفكرة الجديدة يجب إثباتها بطريقة علمية، بدلًا من الاعتقاد بأنها حقيقة غير قابلة للنقاش.

هناك أمثلة كثيرة لاكتشافات علمية غيرت مجرى الفهم العلمى السائد، مثل داروين ونظريته فى التطور من خلال الانتخاب الطبيعى، التى استغرقت ثلاثين عامًا من البحث الجاد قبل نشرها فى الأوساط العلمية. وبالمثل، غير ألبرت أينشتاين تفسير نيوتن للجاذبية، مقترحًا أنها ناتجة عن انحناء فى نسيج الزمكان، وقدم معادلات رياضية لإثبات نظريته. واليوم يؤكد العلم الحديث صحة جميع نظرياته.

لكن مدعى التجديد فى العلم دون إثباتات هم فى الواقع دجالون، ويجب مواجهة الدجل بالعلم، وليس من خلال مهاجمة الشخص. يميل الدجل الطبى إلى تقديم وعود علاجية غير مثبتة، وخلط الدين بالطب بطريقة غير علمية، وقد يتسبب فى أضرار خطيرة نتيجة تأخير أو توقف العلاج المناسب.

غالبًا ما يمتلك الدجال ذكاءً حادًا ومعرفة علمية سطحية، ويعتقد أن معرفته أفضل من معرفة الآخرين، ويعانى من ثقة متزايدة ووهمية فى معرفته (delusion)، وأى هجوم على آرائه يُعد عداءً لا مبرر له، وفى علم النفس يُعرف هذا بجنون الشك والاضطهاد (paranoia).

• • •

يكمن خطر أولئك الذين ينشرون المعرفة الزائفة فى قدرتهم على التأثير على مشاعر الناس، وخاصة أولئك الذين يتمتعون بكاريزما قوية، ويستخدمون الإيماءات المسرحية، ويغطون أفكارهم بقشرة دينية تجعل الجمهور متقبلًا لكل ما يقدمونه. وقد تم استخدام هذا بمهارة فى طب الطيبات، بدءًا من اختيار مصطلح «الطيبات» الذى يحمل دلالات دينية، ومزج نظامها الغذائى بكلمات وآيات مختارة من القرآن، مع لغة وعظية توحى باليقين المطلق لاستبعاد أى نقاش علمى.

هناك مشكلة حقيقية فى تقييم الإرشادات الغذائية؛ فالعديد منها لا يخضع لتقييم علمى دقيق مثل الأدوية، ولا توجد إرشادات متاحة للجمهور لحمايته من أى نصائح ضارة فى مجال التغذية، ولا ترى وسائل الإعلام أى ضرر فى نشر نصائح غذائية دون وجود رأى علمى متخصص لكشف الدجل.

أعرب خبير التغذية المعروف الدكتور إبراهيم إسماعيل عن استيائه من انتشار المعلومات المضللة فى مجال التغذية، ومن فشل وسائل الإعلام فى استشارة المتخصصين من خريجى المعهد القومى للتغذية لتقديم معلومات دقيقة تستند إلى مبادئ علمية.

• • •

يجب على وزارة الصحة، والمتخصصين فى الصحة العامة، وخبراء التغذية، مواجهة الدجل الطبى بقوة، والعمل على وضع قوانين تمنع وسائل الإعلام من توفير فرص لنشر النصائح الضارة.

ختامًا، نحن بحاجة إلى نظام يحمى المريض من الممارسات الطبية غير الأخلاقية. ومن واقع خبرتى فى المملكة المتحدة، فإن وجود «المجلس الطبى العام» ضرورى لحماية صحة وسلامة المواطنين، ولتحديد المعايير القياسية لمهنة الطب، والسلوك المهنى اللائق للأطباء، ومحاسبة الأطباء الذين ينتهكون قيم وأخلاقيات المهنة. لقد طالبتُ بإنشاء هذا المجلس منذ عام 2012، ولكن للأسف دون جدوى.

تأسس المجلس الصحى المصرى عام 2022، والادعاء بأنه مماثل للمجلس الطبى العام البريطانى، على الرغم من وجود اختلافات جوهرية بينهما. يُعد السلوك غير المسئول من جانب الأطباء فى المجال العام نادرًا فى بريطانيا، وذلك بفضل وجود المجلس الطبى العام واشتراط تطبيق كل طبيب للمبادئ التوجيهية العلمية المعترف بها، والالتزام بالمعايير الأخلاقية لمهنة الطب والحوكمة الإكلينيكية فى عمله اليومى، وأى انحراف عن ذلك يُعرض الطبيب لإجراءات تأديبية، وقد يصل الأمر إلى سحب ترخيص مزاولة مهنة الطب.

تم نشر التفاصيل فى كتاب، مؤلفه كاتب المقال، «كلام العلم فى تطوير الخدمات العلاجية وإصلاحها»، الذى نشرته دار روافد للنشر فى عام 2023.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن مسئولية حماية المرضى مشتتة بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء، ولا يوجد دور واضح للمجلس الصحى المصرى. علاوة على ذلك، ينبغى مراجعة دور وسائل الإعلام فى نشر المعلومات الطبية، والاتفاق على مبادئ توجيهية واضحة لمنع نشر معلومات طبية قد تضر المواطنين.

لا ينبغى تجاهل انتشار الدجل الطبى فى وسائل التواصل الاجتماعى، ويجب التصدى له بحزم. وأعتقد أن لجنة الثقافة العلمية المنشأة حديثًا لها دور كبير فى نشر الوعى الصحى وكشف الدجل الطبى بالتعاون مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء.

أخيرًا، يجب أن نتساءل عن صمت وزارة الصحة والبرلمان والمجلس الصحى المصرى والأحزاب السياسية فيما يتعلق بالدجل والشعوذة الطبية، ودور وسائل الإعلام فى نشر النصائح الضارة بالصحة العامة.

 

أستاذ الأشعة التشخيصية سابقا بجامعة شفيلد ــ إنجلترا

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة