x قد يعجبك أيضا

أهداف وتحديات الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران

الثلاثاء 17 مارس 2026 - 6:00 م

كنت أظن أن الحشد العسكرى الأمريكى الكبير فى منطقة الخليج والشرق الأوسط وبمشاركة إسرائيلية، هدفه الأساسى الضغط على المفاوض الإيرانى للاستجابة لأكبر قدر من المطالب الإسرائلية الأمريكية، خاصة بعد الجلسة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين الوفدين الأمريكى والإيرانى، وتصريحات الوسيط العمانى بأنه قد تحقق تقدم ملحوظ، وتحدد أول مارس 2026 لعقد اجتماع غير مباشر للخبراء الفنيين الإيرانيين والأمريكيين. وظننت أن الخبراء والمتخصصين الأمريكيين فى الشأن الإيرانى والشرق الأوسط نصحوا الرئيس ترامب بعدم شن حرب مع إسرائيل على إيران لما سيكون لها من أضرار بالغة أمنية واقتصادية وسياسية على دول الخليج الأصدقاء وعلى الاقتصاد العالمى.
لكن الطبع يغلب التطبع، واستيقظ العالم صباح 28 فبراير 2026 على شن حرب إسرائيلية أمريكية على إيران أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى وزوجته ومعهما نحو 43 قائدًا من القيادات العليا الإيرانية، وبدأ الرئيس الأمريكى ترامب يتحدث كعادته عن أهداف هذه الحرب، وفى مقدمتها تدمير القوات والإمكانيات العسكرية الإيرانية وتغيير النظام كما فعل فى فنزويلا، وأنه - أى ترامب - سيكون له دور فى اختيار المرشد الإيرانى الجديد، وأنه يعارض بشدة اختيار مجتبى على خامنئى، ابن المرشد السابق، خلفًا له، ووصفه بأنه متشدد مثل أبيه ولا يصلح لمنصب المرشد، وهددت إسرائيل باغتياله إذا أختير مرشدًا جديدًا. وقال ترامب إنه فى انتظار استسلام إيران دون قيد أو شرط، وإلا فإنه لن يبقى فيها من يستسلم، وأن على إيران قبول التخلى التام عن تخصيب اليورانيوم، ووقف مشروع الصواريخ البالستية طويلة المدى، وإنهاء علاقاتها مع أذرعها فى المنطقة، حزب الله فى لبنان، والحشد الشعبى فى العراق، والحوثيين فى اليمن، وأن تكف عن التدخل فى شئون دول المنطقة، خاصة دول الجوار.
• • •
لقد اعتقد نتنياهو ومعه ترامب أن اغتيال المرشد الأعلى وهذا العدد الكبير من القيادات الإيرانية سيؤدى إلى انتفاضة شعبية لتغيير النظام فى إيران. وهذا تبسيط مخل للغاية، لأن المرشد الأعلى يجمع بين المكانة الدينية العالية للشيعة الاثنى عشرية، وللشيعة بصفة عامة، إلى جانب مكانته القيادية على رأس الدولة الإسلامية الإيرانية، وأن اغتياله على يد قوى أجنبية معتدية أثار رغبة دينية للثأر لمقتله، كما أن الاعتداء الإسرائيلى الأمريكى بدعوى إخضاع إيران وكسر إرادتها يعد تحديًا وجوديًا للقومية الفارسية والدولة الإيرانية ذاتها. ومن ثم جاء رد الفعل الإيرانى قويًا وبروح انتحارية وتنفيذ ما حذرت منه طهران من قبل بدء الحرب بأسابيع من أنها إذا تعرضت لأى عدوان أمريكى إسرائيلى أيًا كان فإنها ستضرب وبقوة إسرائيل وجميع القواعد العسكرية الأمريكية ومصالحها فى المنطقة.
واعتقد ترامب ونتنياهو أن الحرب على إيران ستكون سريعة وحاسمة وفى أيام معدودة لن تسمح لإيران بتنفيذ تهديدها. وجاء الرد الإيرانى قويًا ومستمرًا ليثبت خطأ التقديرات الأمريكية الإسرائيلية وعاد ترامب ليمارس هوايته فى التصريحات المتناقضة والمبالغ فيها بدرجة كبيرة.
• • •
اختارت إيران مجتبى على خامنئى مرشدًا جديدًا خلفًا لوالده، وهو من الصقور الإيرانية المتشددة، وكان من المؤيدين للرئيس الإيرانى الأسبق محمود أحمدى نجاد، أشد المتشددين. وكرر ترامب اعتراضه على مجتبى وهددت إسرائيل باغتياله. ويحمل المرشد الأعلى الجديد مسئولية الثأر للاعتداء على إيران وسيادتها وقتل زعيمها، ومسئولية الثأر لوالده ووالدته وزوجته وابنه وكل من اغتالتهم الحرب الأمريكية الإسرائيلية، والاستمرار فى تخصيب اليورانيوم والتوسع فى إنتاج الصواريخ البالستية، وتنشيط تضامن حزب الله فى لبنان بالمشاركة فى شن هجمات على إسرائيل، والحشد الشعبى فى العراق بشن هجمات على القواعد والمصالح الأمريكية. وخاب اعتقاد ترامب بتوقع اندلاع مظاهرات المعارضة عقب اغتيال المرشد الأعلى، باندلاع مظاهرات مؤيدة للنظام ومطالبة بالانتقام من أمريكا وإسرائيل.
هدد ترامب بأنه إذا أغلقت إيران مضيق هرمز فإنه سيضاعف الضربات العسكرية عليها عشرين مرة. وأعلن الحرس الثورى الإيرانى أنه سيغلق مضيق هرمز أمام السفن الأمريكية والسفن المتجهة والقادمة من إسرائيل، وسفن الدول التى تؤيد العدوان الأمريكى الإسرائلى. وأعلن الرئيس الإيرانى اعتذاره عن ما تعرضت له دول الخليج العربية، وأنها دول صديقة ولإيران علاقات جيدة معها، إلا أنه سيتم ضرب المصالح الأمريكية فى أى دولة يأتى منها عدوان على إيران. ومن الناحية العملية، فإنه من الصعب جدًا استمرار الملاحة دخولًا وخروجًا من مضيق هرمز فى ظل أجواء الحرب، وأوقف عدد من أهم شركات الملاحة البحرية العالمية مرورها فى المضيق والخليج حتى قبل أن تبدأ إيران فى ضرب بعض السفن التجارية. وأدى ذلك إلى انخفاض ملحوظ فى صادرات البترول والغاز من دول المنطقة وقفزت الأسعار ما بين 30 و25% فى أقل من أسبوع مما يلحق أضرارًا كبيرة بالدول الخليجية، التى تمثل عائدات البترول والغاز أكثر من 90% من صادراتها، كما تأثرت بشدة خطوط الإمداد بالمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية التى تعتمد دول الخليج العربية على استيراد نحو 85% من احتياجاتها. كما أن المشكلة الأكبر بالنسبة للدول الأوروبية والصين والهند التى تستورد البترول والغاز من دول الخليج ليست فقط فى ارتفاع الأسعار التى تؤدى إلى ارتفاع متتالٍ فى أسعار جميع السلع والخدمات بالإضافة إلى مضاعفة أسعار الشحن والتأمين، وإنما فى نقص إمدادات الطاقة وما يترتب عليها من مشكلات.
كان ترامب يعتقد أن الشركات الأمريكية يمكنها تعويض هذا العجز فى البترول والغاز، واتضح أن الأمر ليس بهذه السهولة، ما اضطره إلى أن يعلن بأنه سيرفع بعض العقوبات عن البترول والغاز الروسى لتعويض الهند عن العجز فى احتياجاتها. وإن رفع بعض العقوبات عن روسيا بمثابة خسارة سياسية لترامب، ومكسبًا مجانيًا لروسيا، نتيجة الحسابات الخاطئة فى شن حرب بلا مبرر على إيران.
• • •
ثمة أهداف غير معلنة صراحة وإن تضمنتها تصريحات إسرائيلية وأمريكية وراء شن حربهما على إيران، من بينها استكمال تدمير الدول التى ترى إسرائيل أنها تمثل خطرًا عليها، ولم تعقد اتفاق سلام معها، وسبق تدمير كل من العراق وسوريا، كما أن إضعاف دول المنطقة يساعد إسرائيل بدعم أمريكى فى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط واستكمال إقامة إسرائيل الكبرى ويكون لها شأن كبير فى صياغة مستقبل المنطقة. كما يؤدى ذلك إلى عودة النفوذ والسيطرة الأمريكية بقوة فى مواجهة منافسة الصين وروسيا.
لكن لم تمضِ الحرب على الوتيرة التى تصورها كل من نتنياهو وترامب، وأعلنت إيران أنها على استعداد لاستمرار الحرب ستة أشهر على الأقل، كما أعلنت روسيا والصين دعمهما للمرشد الأعلى الجديد واستعدادهما للتعاون معه. إضافة إلى أن استطلاعات الرأى الأمريكية تشير إلى أن ترامب يشن حربًا على إيران دون تأييد شعبى ودون أن يقدم خطة واضحة بأهداف وأسباب هذه الحرب. وبدأ تململ الحلفاء الأوروبيون ومعارضة البعض لهذه الحرب وصرح وزير الدفاع السويسرى مارتن فيستر بأن الولايات المتحدة وإسرائيل انتهكتا القانون الدولى بشنهما هجمات على إيران.
وعندما أبدى ترامب استعداده للتفاوض، أعلنت إيران أنها ليست على استعداد الآن، وسربت عدة شروط لإنهاء الحرب من بينها فك الحصار وإلغاء العقوبات على إيران وإطلاق أموالها المحجوزة، واعتراف العالم بالبرنامج النووى السلمى الإيرانى، وتعويض إيران عما لحق بها من أضرار نتيجة العقوبات والحصار والعدوان عليها دون سبب وبالمخالفة للقانون الدولى، والاعتذار العلنى من ترامب وإسرائيل عن اغتيال المرشد الأعلى لإيران.
اتخذ ترامب مسارًا آخر بقوله إن إيران لم يعد لديها مواقع مهمة لضربها، وأنها على وشك الهزيمة، لذا فإنه يمكنه إنهاء الحرب فى الوقت الذى يراه. وقد أوضح ذلك وزير الحرب الأمريكى بقوله إنهم يمكنهم إعلان انتصارهم وإنهاء الحرب فى أى وقت.
الحقيقة أن ترامب ونتنياهو ورطا أنفسهما وبلديهما وكل حلفائهما فى حرب غير مدروسة وبلا أهداف حقيقية وأحدثت خسائر فادحة اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا بل عسكريًا، لكل المشاركين وغير المشاركين فيها بلا استثناء.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة