لم يكن مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام (13- 15 فبراير 2026) مناسبة بروتوكولية عابرة، بل بدا كأنه جلسة إعلان غير رسمى لنهاية مرحلة كاملة من التاريخ الدولى. على المنصة، تحدث وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو بلهجة لم تترك مجالا للالتباس؛ «النظام الذى تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد يخدم مصالحنا بالشكل الذى كان عليه»، مضيفًا أن السياسة الأمريكية ستنطلق أولًا وأخيرًا من ميزان القوة والمصلحة الوطنية. لم تكن هذه مجرد مراجعة لغوية بل إعلانًا صريحًا بأن واشنطن لم تعد ترى نفسها ضامنًا مجانيًا للأمن الأوروبى.
بهذه العبارات، بدا واضحًا أن النظام الذى تشكل على أنقاض الحرب العالمية الثانية - والقائم على التحالفات العابرة للأطلسى، والمؤسسات متعددة الأطراف، وردع نووى تقوده الولايات المتحدة- يتعرض لتفكيك من داخله. لم يعد الحديث عن «قيادة العالم الحر»، بل عن إعادة توزيع أعباء القوة، وعن أولويات أمريكية جديدة تنظر إلى أوروبا باعتبارها شريكًا مشروطًا لا ركيزة ثابتة.
المستشار الألمانى فريدريش ميرتس لم يخف حجم الصدمة. قال فى كلمته إن النظام العالمى الذى كنا نعرفه لم يعد موجودًا، وإن على أوروبا أن تنهى «إجازتها الطويلة من التاريخ». العبارة بدت اعترافًا متأخرًا بأن القارة اعتمدت لعقود على المظلة الأمريكية، وركزت على الرفاه الاقتصادى والتكامل المؤسسى، بينما أهملت بناء قوة صلبة مستقلة.
• • •
الأزمة الأوروبية ليست عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضًا. فسياسات الرسوم الجمركية الأمريكية، التى طالت الصلب والسيارات الأوروبية، كشفت هشاشة النموذج الصناعى الألمانى والفرنسى القائم على التصدير. مع تصاعد الحمائية فى واشنطن، تجد الصناعات الأوروبية نفسها بين ضغطين؛ منافسة صينية شرسة، وشريك أمريكى يفرض قيودًا تجارية باسم «أمريكا أولًا». هذه ليست مجرد خلافات تجارية، بل إعادة صياغة لقواعد اللعبة الاقتصادية العالمية.
فى الخلفية، يدور نقاش أخطر؛ ماذا لو تراجعت الولايات المتحدة فعليًا عن التزاماتها النووية؟ الخبير الألمانى فى شئون الردع النووى فرانك زاور حذر فى مقابلة منشورة فى صحيفة «دى برس» النمساوية من أنه "لا يوجد مظلة نووية يمكن فتحها وإغلاقها ببساطة". من دون «المشاركة النووية» الأمريكية داخل حلف الناتو، قد تصبح أوروبا - بحسب تعبيره - عرضة للابتزاز الروسى. لكن استبدال الدور الأمريكى ليس مهمة تقنية، بل معضلة عقائدية وسياسية، خاصة أن فرنسا، القوة النووية الأوروبية الوحيدة داخل الاتحاد، تبنى عقيدتها على الردع الوطنى لا الجماعى.
الانقسام داخل أوروبا يزيد المشهد تعقيدًا. دول شرق القارة، من بولندا إلى دول البلطيق، ترى فى أى مسافة عن واشنطن مخاطرة وجودية، بينما تميل عواصم فى غرب أوروبا إلى الحديث عن «استقلال استراتيجى» وتخفيف الاعتماد على الولايات المتحدة. بين الخوف الشرقى والطموح الغربى، يقف الاتحاد الأوروبى أمام اختبار وحدة حقيقى.
بعض المحللين، مثل الخبير البريطانى دوج ستوكس، رأوا فى ميونخ أن انسحاب أمريكا النسبى قد يدفع أوروبا إلى استعادة دورها التاريخى. لكن هذا السيناريو يفترض إرادة سياسية وموارد مالية ضخمة. ميرتس أعلن نية بلاده رفع الإنفاق الدفاعى إلى مستويات غير مسبوقة، فى خطوة تعكس إدراكًا بأن زمن «القوة الناعمة» وحدها قد انتهى.
ومع ذلك، فإن أوروبا لا تواجه فقط تحدى الردع العسكرى، بل تحدى المعنى. هل تستطيع أن تتحول من كيان تنظيمى قائم على المعايير والقواعد إلى لاعب قوة فى عالم تحكمه المصالح الخشنة.. وهل تملك الإرادة لتحمل كلفة هذا التحول سياسيًا واجتماعيًا؟
• • •
ما كشفه ميونخ ليس انهيارًا فوريًا للنظام الدولى بل انتقالًا إلى مرحلة رمادية؛ عالم لا تقوده قوة واحدة، ولا تحكمه قواعد مستقرة. الولايات المتحدة تعيد تعريف دورها، وروسيا تختبر حدود الغرب، والصين تراقب وتتمدد اقتصاديًا، بينما تجد أوروبا نفسها أمام لحظة وجودية؛ إما أن تتحرك لتصبح قطبًا فاعلًا أو تتحول إلى قوة رديفة، تتمتع بوزن اقتصادى ومعنوى، لكن بلا تأثير حاسم فى رسم التوازنات الكبرى.
فى نهاية المطاف لم يكن السؤال فى ميونخ ما إذا كان النظام القديم قد انتهى؛ بل ما إذا كانت أوروبا مستعدة لدفع ثمن الدخول إلى النظام الجديد. وبين خطاب القوة فى واشنطن، ومخاوف الردع فى برلين، يبقى مستقبل القارة معلقًا على قدرتها على الانتقال من موقع التابع المطمئن إلى موقع الفاعل القلق.