x قد يعجبك أيضا

كونفوشيوس لا يحب الذهب

الثلاثاء 17 فبراير 2026 - 6:35 م

نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالًا للكاتب يوسف أبولوز، يوضح فيه الصراع بين القيم الروحية والثقافية (التى يمثلها كونفوشيوس) وبين النزعة المادية الاستهلاكية (التى يمثلها فندق السبائك الذهبية «جراندا مبيرور»).. نعرض من المقال ما يلى:


فى كل محاورات كونفوشيوس (ترجمة: محسن سيّد فرجانى)، لم أجد مقولة واحدة عن الذهب، بل قرأت ما ذكره عن الأرز، والموسيقيين، وأكثرهم فى زمنه من العميان، كذلك، تحدث عن الثياب، وبالطبع الكثير من محاوراته تتمركز فى برّ الوالدين، أما الذهب المعدن الأسطورى الغنائى فلا تبحث عنه عند كونفوشيوس رجل الحكمة، وبلاط الملوك، بل رجل المناصب الرفيعة مثل القضاء، ودائمًا حوله تلاميذه ومريدوه، وهم أيضًا لا أحد منهم يبحث عن الذهب، كأن الصين كلّها فلسفة وحكمة وأرز.
ولكن لماذا كل هذه المقدمة عن الذهب؟ خبر صغير قرأته قبل أيام، فقد أعلن فندق «جراندا مبيرور» الذى افتتح فى الصين فى عام 2006 أنه اقتلع سبائك ذهب حقيقية كانت تزيّن مدخل بهوه الرئيسى وباعها مقابل 12.8 مليون دولار أمريكى مستفيدًا من الارتفاع الكبير فى أسعار الذهب.


اشتهر الفندق فى الصين بممره الذهبى، كما جاء فى الخبر، عشرات من السبائك الذهبية مطروحة تحت أقدام نزلاء وزوّار الفندق، والسبيكة الواحدة تزن كيلوغرامًا، كّلها اقتلعت وبيعت، وخلال عشرين عامًا مضت مشى فوق هذا الصف الذهبى نساء ورجال وأطفال، كما لو أن الواحد من هؤلاء يحقق فى ذاته مجدًا رومانسيًا على الأقل، وهو يدعس على أغلى معدن فى العالم وفى التاريخ.


فى حالة كهذه، يستدعى المرء الثقافة أولًا، الثقافة وجذورها وعلاقتها بالإنسان الذى ينتجها، أما الجذور الثقافية للبلد الذى يحيط به أعظم أسوار الدنيا والعالم فتتمثل فى الإرث الكونفوشى الفكرى والفلسفى والتأمّلى، فكر رجل متواضع رفض كتابة أفكاره فى مدوّنة مخطوطة، ولولا تلامذته لضاعت حوارياته ومداخلاته اليومية التى تحوّلت فيما بعد إلى روح الصين الحديثة على شكل إحياء أو بعث جديد للفكر الكونفوشى وبخاصة مع مطلع تسعينيات القرن العشرين.


يرفض كونفوشيوس إهانة الكائنات، وحتى الأشياء. فكره فكر إنسانى مُصَفّى. فكر حى إلى اليوم، منذ حوالى خمسمئة عام قبل الميلاد، وفى كل الأحوال لم يكن الرجل رجل مال أو أعمال، وقد عاب عليه ذات يوم أحدهم بأنه بلا حرفة تدرّ عليه مالًا وجاهًا، فأجابه: ماذا لو عملت إسكافيًا؟ فى قصة الفندق ذى الممرّ الذهبى، أهين المعدن الأرستقراطى الأصفر والأحمر والأبيض مرّتين: المرة الأولى حين كانت السبائك تحت الأحذية، والمرة الثانية، حين اقتلعت من حيّزها الجمالى الفنى، وبيعت فى السوق لتتحول من رمزيتها الأيقونية التاريخية إلى مجرّد حفنة دولارات.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة