«ما هو الأصعب بالنسبة إليكِ فى الموضوع الذى تُغطّينه؟» سألنى صديقان هولنديان يهوديان قبل أكثر من عشرة أعوام. لقد قادهما مجالا عملهما -البحث التاريخى والسينما الوثائقية- إلى التركيز على المحرقة، التى تشكّل جزءًا من السيرة الذاتية لنا، نحن الثلاثة.لسنوات، شعرت بأنهما يفضّلان الابتعاد عن التقارير المتعلقة بسياسات إسرائيل، لذلك، فاجأنى سؤالهما. وأكّدا أن قصدهما ليس الصعوبات التقنية، ولا مجرد سيطرتنا العدائية على شعب آخر. لم أكن بحاجة إلى إرشادات لكى أجيب فورًا بأن التخطيط هو الجزء الأصعب فى عملى. وهما بدورهما، لم يكونا بحاجة إلى شروح وتفصيل، إذ انكشف لهما فى مجالَى بحثهما أن التخطيط، بصفته موهبة مخيفة وخطِرة، حين تكون ملكًا لمجتمعٍ، مشروعه القومى هو النقاء العرقى والتوسّع الإقليمى.إن الإسرائيليين اليهود الذين يعيشون فى الفوضى المألوفة داخل إسرائيل يجدون صعوبة فى نَسب المهارات التخطيطية إلى دولتهم، على الرغم من أن عمر كل مدينة 70 عامًا، وكل مستوطنة 30 عامًا، وكل مركز تجارى وتقاطُع طرق مَدين بوجوده لتشريعات مدروسة منذ سنة 1948، وللرؤية البعيدة المدى لفرسان حركة العمل الصهيونية. لقد أخفى بريق «عملية السلام» الزائف وبريق الأمن القومى الذكورى، وما زالا يخفيان «الدولة العميقة» المتفوقة فى مصادرة الأراضى لليهود ونهبها من الفلسطينيين.فى الأسبوع الماضى، قرر المجلس الوزارى المصغّر (الكابينت) اتخاذ خطوات إضافية بشأن التطهير العرقى والسيطرة على الأراضى فى الضفة الغربية. وجاءت قراراته مُطابقة للمطالب التى ظهرت فى برامج أحزاب المستوطنين، وفى إعلامهم، بل فى الإعلام السائد. عمل المستوطنون بلا كلل على تحوُّل مطالبهم إلى سياسة معلنة، وأحسن ممثلوهم الجمع بين نوبات غضبٍ مصطنعة إزاء الإدارة المدنية - التى طبّقت، وبأمانة، سياسة الحكومة فى التخطيط والبناء لليهود، ومنع الفلسطينيين من البناء وتقييد وصولهم إلى المياه، وبين العمل الوثيق من داخل الحكومة، وفى مواجهتها. لقد عمل مستوطنون فيها -كمن يكلَّف القطّ بحراسة الجبنة- قبل وقت طويل من تعيين مستوطن نائبًا مدنيًا للقائد العسكرى لهذه المؤسسة. فى العقد الماضى، كانت اللجنة الفرعية لشؤون يهودا والسامرة [الضفة الغربية] التابعة للجنة الخارجية والأمن فى الكنيست، ولا سيما فى أيام رئيسها المستوطن موتى يوغيف، ساحة مهمة لدمج الضغوط والعمل المشترك: كان ممثلو الإدارة المدنية ومنّسق أعمال الحكومة فى المناطق يُستَدعون إلى جلساتها كمتهمين فى محكمة ميدانية، بينما لعب أعضاء جمعية «ريغافيم» [جمعية يهودية صهيونية، هدفها ترسيخ سيطرة إسرائيل على الأراضى الفلسطينية المحتلة] ومستوطِنون آخرون دور الادّعاء ببراعة؛ أمّا الأحكام - فى محاكمة نتيجتها معروفة سلفًا - فكانت مزيدًا من أوامر الهدم بحق الفلسطينيين ومزيدًا من فرص البناء والتوسّع للمستوطنات.هناك يد خفية أقامت منذ التسعينيات بؤرًا استيطانية، سرعان ما أفرزت عنفًا ضد مزارعين ورعاة فلسطينيين؛ وفى الألفية الثانية بشكل خاص، «استسلم» الجيش، طوعًا، لظاهرة اليهود المعتدين، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى ينابيعهم وأراضيهم التى نبتت فيها كروم حلال فاخرة. إن كمّ الكلمات فى النقاشات بشأن تفكيك البؤر الاستيطانية نافسه فقط عدد الشكاوى من اعتداءات المستوطنين التى أغلقتها الشرطة بدعوى انعدام المصلحة العامة، أو لعدم وجود مشتبه فيهم؛ ثم بدأت قطعان الأغنام السمينة ورعاتها، كبارًا وصغارًا، على ظهور الخيل، أو الدراجات الرباعية، أو الحمير، أو سيرًا على الأقدام- تُستخدم كسلاح فعّال للغاية فى ردع الرعاة الفلسطينيين، فضلًا عن الضرب والحرق وإطلاق النار والاقتحامات، وكل الترسانة العنيفة المكشوفة على الشبكات لمن لا يدفن رأسه فى الرمال. تحوّلت الهجمات التى كانت تحدث «بالقطارة» إلى طوفان وتهجير نحو سبعين تجمّعًا فلسطينيًا. إن النمط المتكرر فى أماكن عديدة، والتشابه فى أساليب التنفيذ، والمنهجية، والمال الوفير المطلوب، أمور كلها تشير إلى جهات تخطيط وتمويل تعمل بتناغُم لافت خلف الكواليس، فى المجالس المحلية للمستوطنات، وفى الكنيست، وفى مكاتب الحكومة.إن حركة الاستيطان التابعة لليمين الدينى والـحردلى تدين بنجاحاتها وتهجير التجمعات من المنطقة «ج» لمهارة التخطيط التى ظهرت فى اتفاق أوسلو؛ إذ تعامل اليمين مع الاتفاق على أنه خيانة، مع ازدراء حنكة المفاوضين من حزب العمل. وخبرتهم المثبتة فى سلب الأراضى، تحت غطاء عادل، مثل القانون الماكر "أملاك الغائبين" والتعريف الماكر المنبثق عنه «الغائبون الحاضرون»، أنتجت التقسيم المصطنع إلى جيوب «أ» و«ب» داخل محيط المنطقة «ج»، وأدت أيضًا إلى قرار إعادة الصلاحيات بالتدريج، بحيث تصبح المنطقة «ج» من دون حدود.كان يمكن فهم المنطق فى نقل الصلاحيات الشرطية والأمنية بالتدريج، وبشروط. لكن ما العلاقة بينها وبين صلاحيات التطوير والبناء والزراعة وجباية الرسوم من صفقات العقارات؟ لماذا أصرّ يتسحاق رابين على الاحتفاظ بها؟ كان يمكن إعادتها إلى الفلسطينيين فورًا، مع الحفاظ على أمن المستوطنين. وكيف كان ربط التجمعات بالمياه، وإعداد مخططات هيكلية وتنفيذها، وبناء مدارس وعيادات ومراكز سياحية سيضرّ بأمن الإسرائيليين؟ الجواب: لم يكن ليضر، بل كان سيُفشل خطط إقامة مستوطنات جديدة، وهذا ما عرفه جيدًا شمعون بيرس ورابين وإيهود باراك. لم يكن تمييع الوقت فى المفاوضات صدفة؛ فناخبوهم الذين رأوا فى الاحتلال مشكلة ودعموا السلام، فضّلوا أن ينسوا مهارات معسكرهم فى التضليل والمراوغة من أجل الدونم التالى؛ أمّا مهارات التخطيط والتنفيذ، فتركوها للمستوطنين.
مقالات اليوم جميل مطر بين الحياة الجافة والحياة الحلوة وليد محمود عبد الناصر فى ذكرى الوحدة وعن ضرورتها للشعوب العربية علي محمد فخرو استراتيجية فى وجه العدائية التاريخية الأمريكية العالم يفكر المثقف العصرى وضرورات المواكبة قضايا اقتصادية دور تطوير حقل «غزة مارين» فى إعادة إعمار قطاع غزة
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك