x قد يعجبك أيضا

استراتيجية فى وجه العدائية التاريخية الأمريكية

الأربعاء 18 فبراير 2026 - 8:15 م

لا يحتاج الإنسان إلى أن يدخل فى تفاصيل تاريخ العرب الحديث ليظهر مقدار وأنواع المواقف العدائية الأمريكية، بشتى الأشكال والمستويات والتبريرات، تجاه أمة العرب. يكفى أن نذكر موقفين بالغى العدائية تجاه موضوعى: الاستعمار الاستيطانى الصهيونى لفلسطين والعدائية التاريخية المتعاظمة لأى نوع من أنواع وحدة هذه الأمة، سواء المعنوية أو المادية.
فمنذ بداية المشروع الصهيونى وحتى يومنا هذا وجد هذا المشروع دعما أمريكيا مؤازرا، بكل شكل سياسى وثقافى ودينى وعسكرى، لتقوية وترسيخ الاحتلال الاستعمارى الصهيونى لفلسطين العربية وللتآمر على حقوق الشعب الفلسطينى.
اليوم ينتقل هذا الدعم الأمريكى، بألف حجاب كاذب إلى دعم الخطوات الصهيونية لتحقيق حلمهم الدينى التاريخى بإنشاء دولة «إسرائيل الكبرى» على حساب أقطار الأردن ومصر وسوريا ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية فى مراحله الأولى.
وعبر طيلة القرن الماضى، وبالأخص أثناء فترة المدّ الناصرى القومى العروبى الوحدوى، وقفت أمريكا، بكل ثقلها ومع الكثيرين من مساعديها من الدول الاستعمارية والكيان الصهيونى، ضد شعارات المشروع القومى العربى، وبالأخص شعار الوحدة العربية، وقد ساهمت فى إيقاف ذلك المدّ إلى أبعد الحدود وأوصلت الحركات القومية كلها إلى مراحل العجز وذاكرة الأمة الوحدوية إلى الاقتراب من النسيان والضياع.
مؤخرا انتقلت المؤامرة العدائية الأمريكية من الاكتفاء بمعاداة كل مشاريع الوحدة العربية إلى مرحلة محاولة تفتيت العديد من الأقطار العربية إلى دويلات وكيانات قائمة على أسس طائفية أو عرقية أو لغوية معادية، بصور سافرة أو غير سافرة، لهوية العروبة وللوحدة العربية بأى شكل كان.
لا حاجة لذكر أمثلة عدائية كثيرة أخرى لإثبات أننا أمام دولة تتصرف تجاه العرب كدولة مليئة بالعداء والرغبة فى التهميش والتمزيق والإصرار على أن تنتهى الأرض العربية لتصبح أرضاً وشعباً يخضعان للهيمنة الصهيونية الاستعمارية الاستئصالية.
ما نريد قوله هو إنه لا يوجد، عبر قرن كامل من تاريخ العلاقات العربية ــ الأمريكية فى كل الميادين، ما يبرر أو يفسر تمسك البعض باعتبار أمريكا دولة صديقة أو حليفة أو مأمونة الجانب أو صادقة فى القول والفعل. إنها كانت ولا تزال تتصرف كدولة عدوة لأمة لم تحاول قط أن تؤذيها أو تمس مصالحها بسوء.
تملؤنى تلك المشاعر والأفكار كلما استمعت إلى متحدثين فى اجتماعات شللية سياسية/ ثقافية لمحللين ومثقفين ومفكرين يصرفون الوقت والجهد لتحليل أو نقد الوضع الأمريكى، سواء فى الداخل أو الخارج.
ما فائدة تحليل وتشخيص الوضع الأمريكى، والتركيز على ما تواجهه أمريكا من مشاكل مع نفسها ومع العالم، إذا كنا لا نمسّ النقطة الأساسية ونعالج تبعاتها وهى النقطة المتعلقة بوجود عداء أمريكى تاريخى متأصل تجاه كل أحلام وأهداف وحقوق العرب؟
السؤال: ما هى الاستراتيجية العربية التى يجب أن نتبناها تجاه كل علاقاتنا بهذه الدولة المعادية؟ ومن سيضعها ويطرحها على الأمة العربية؟ نقول كلمة استراتيجية من أجل أن تكون مبنية على أسس فكرية ومبادئ قيمية وجوانب واقعية ومعالجات تتعلم من الماضى والحاضر وتنطلق نحو المستقبل، أى معالجة استراتيجية شاملة تشعر الأمريكيين بأنهم إن أرادوا الاستمرار فى نهجهم العدائى التآمرى الحالى فإنهم سيواجهون مواجهة عربية متناسقة متعاونة رافضة لأية هيمنة أمريكية على أى جزء عربى ومحاربة لأية مؤامرة أمريكية على أى شعب من شعوب هذه الأمة.
لا نحتاج إلى عبقرية لندرك أن وضع مثل هكذا استراتيجية وتفعيلها فى الواقع لن يكون، مع الأسف، من قبل مؤسسات أنظمة الحكم العربية المشتركة المليئة بالصراعات والخلافات والتباينات الفكرية السياسية.
هناك فقط ــ بعض مؤسسات واتحادات المجتمع العربى المدنية الفكرية والسياسية والمهنية والثقافية مع بعض من أفرادها المثقفين المفكرين العضويين، التى تحتاج إلى أن تقوم بإنشاء هيئة شعبية تنسيقية تضامنية نضالية سلمية مستقلة تاريخية من أجل أن تضع مثل تلك الاستراتيجية، وتنشرها بين جموع الشعب ليعيها وتحاول إقناع بعض أنظمة الحكم بتبنيها، وتتخذ شتى الخطوات لتنفيذها فى الواقع على المستوى الشعبى القطرى والمستوى القومى المشترك.
التعامل مع أمريكا يحتاج إلى أن يكون شاملاً، وشعبيا فى بدايته، وجزءا من نضال شعبى ديموقراطى سلمى متعاظم مع مرور الوقت.
فى هذه الفترة من تاريخنا يجب أن لا يهمنا ما يجرى فى أمريكا أو لأمريكا، فهذا شأن الشعب الأمريكى فى الأساس، وإنما التركيز فى الدرجة الأولى على طرق باب إنهاء العداوة الأمريكية التاريخية لنا ولقضايانا، وسنجد فى المجتمع الأمريكى الكثير من التعاطف مع ذلك المسعى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة