الردع الإيرانى «غير المتماثل»
الإثنين 16 فبراير 2026 - 6:10 م
منذ ظهورها أواسط القرن العشرين، اعترت نظرية الردع تحديثات شتى، بحيث لم يعد الردع الاستراتيجى يعتمد على التهديد العسكرى وحده، وإنما على مزيج واسع من التدابير وطيف عريض من الإجراءات، التى بمقدورها هيكلة البيئة الأمنية أو تعديل سلوك الخصم عبر طرائق متدنية التكلفة.
نظرًا لتقادم قواتها الجوية وتواضع كفاءة منظوماتها الدفاعية، تتبنى إيران استراتيجية «الرد اللامتماثل»، القائمة على «التهديد الفعال والصمود غير المتكافئ». فبينما لا تثق فى إمكانية إدراك الانتصار العسكرى المطلق، تراهن على رفع كلفة انتصار خصمها قدر المستطاع. وفى سبيل ذلك، ترتكن استراتيجية الردع الإيرانية على المرتكزات التالية:
تغيير العقيدة العسكرية: خلال جولة له بمدينة الصواريخ التابعة للحرس الثورى، مؤخرًا، أكد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية تغيير العقيدة العسكرية من دفاعية إلى هجومية؛ باعتماد سياسة الحرب غير المتكافئة، والرد الساحق على الأعداء. فى السياق ذاته، تم تفعيل المجلس الأعلى للأمن القومى بموجب المادة 176 من الدستور، بغية تعظيم قدرة الردع، عبر تطوير آليات الأمن الوطنى، وتعزيز التنسيق الاستراتيجى بين القطاعات الدفاعية والأمنية، وتكريس وحدة القوات المسلحة، ودعم عمليات اتخاذ القرارات فى المجال الدفاعى، وتحصين وتوزيع الأصول الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتشييد منشآت واسعة تحت الأرض، قادرة على الصمود أمام الضربات الأولى.
حيث يتأسس التقدير الاستراتيجى الإيرانى ليس على منع وقوع الأضرار، بل على الاحتفاظ بجهوزية كافية لشن هجمات مضادة. ومن ثم، صُممت وضعية إيران الدفاعية الجوية أساسًا لردع الضربات الأمريكية والإسرائيلية عبر رفع كلفة الهجوم، وليس منعه أو إفشاله كليًا؛ بمعنى «الردع عبر الإيلام» وليس المنع المطلق. وهكذا، تركز العقيدة الإيرانية على الدفاعات الطبقية، والتشتيت، والقابلية للبقاء، أكثر من السعى إلى التفوق الجوى، إذ تدرك طهران أن السيطرة على السماء فى مواجهة التفوق الجوى الأمريكى الإسرائيلى هدف يتجاوز إمكاناتها. لذا، تسعى بدلًا من ذلك إلى تعقيد تخطيط الضربات، وإيقاع خسائر، وإبطاء العمليات، من خلال تكامل الدفاعات الجوية مع الصواريخ، والطائرات المسيّرة، وآليات الرد اللامتماثل.
الردع البحرى: تنتوى طهران تفعيل خيارات الردع البحرى حال تصاعد التهديدات العسكرية، عبر الاستفادة من قدرات حرب الألغام البحرية فى الخليج العربى ومحيط مضيق هرمز لفرض تحديات عملياتية أمام الأساطيل المعادية. وتفصح مراجعة تطورات هيكل الدفاع البحرى خلال السنوات الماضية عن اعتماد حرب الألغام ضمن أركان استراتيجية الردع، التى تركز على زيادة كلفة العمليات للقوات المهاجمة، وتقليص حرية مناورة الأساطيل المعادية، وخلق حالة من عدم اليقين بالبيئة العملياتية.
ونظرًا لانخفاض كلفتها التشغيلية نسبيًا مقارنة بالأنظمة القتالية الثقيلة، إلى جانب قدرتها العالية على التأثير فى خطوط حركة السفن، تلعب الألغام البحرية دورًا محوريًا فى عقيدة الدفاع غير المتكافئ. من هذا المنطلق، لطالما هددت إيران بإعاقة الملاحة فى مضيق هرمز، الذى يمر عبره خُمس شحنات النفط والغاز العالمية. مؤخرًا، أفادت تقارير استخباراتية أمريكية بشحن الجيش الإيرانى ألغامًا بحرية على سفن فى الخليج عقب الضربات الإسرائيلية ــ الأمريكية فى يونيو الماضى، ما يشى باستعداد جدى لإغلاق المضيق.
وتشمل التكتيكات العملياتية المتوقعة زرع ألغام بحرية، ومهاجمة ناقلات النفط بالصواريخ والمسيّرات، وربما إغراق سفن لعرقلة ممرات الشحن. وقد تدربت القوات البحرية للحرس الثورى على «تكتيكات الأسراب» باستخدام زوارق صغيرة مسلحة بصواريخ وطوربيدات لإرباك السفن الحربية الأضخم، ما قد يفضى إلى اضطراب الملاحة الدولية، وارتفاع أسعار الطاقة العالمية، ومن ثم إجبار واشنطن على التراجع.
وقبل قليل، أفادت تقارير إيرانية بانضمام حاملة المسيرات «شهيد باقرى» إلى الأسطول القتالى لبحرية الحرس الثورى منذ فبراير 2025، وهى مزودة بصواريخ ومصعد للطائرات العمودية، وتتسع لنحو 60 مسيرة و30 قطعة قاذفة للصواريخ. وفى 22 يونيو الماضى، وعقب حرب الإثنى عشر يومًا، رحب البرلمان الإيرانى بمقترح إغلاق مضيق هرمز. ولما كان موقفه غير ملزم بهذا الصدد، أُحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للأمن القومى لاتخاذ القرار النهائى.
الإغراق بالصواريخ والمسيرات: تنشد الاستراتيجية الردعية الإيرانية تشتيت الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية عبر الإطلاق المتزامن لآلاف الصواريخ والمسيرات لإرباك بطاريات الدفاع الصاروخى من طرازى «باتريوت» و«ثاد»؛ حيث تدعى طهران امتلاك آلاف الصواريخ متعددة المهام والمديات والقدرات، كمثل «خرم شهر» و«خيبرشكن»، الباليستية ذات الرءوس القابلة للمناورة لتفادى الدفاعات، إضافة إلى «عماد» بحمولة 750 كيلوجرامًا، و«باوه» الجوالة بمدى يصل إلى 1000 ميل.
وبينما تعتبر قدراتها الصاروخية عنصرًا راسخًا فى عقيدتها الدفاعية وركنًا ركينًا لاستراتيجيتها الردعية، تضعها طهران ضمن خطوطها الحمر غير القابلة للتفاوض. كذلك، تضم الترسانة الإيرانية طرازات شتى من المسيرات، أبرزها «شاهد ــ 136» بحمولة 50 كيلوجرامًا. ورغم إمكانية اعتراض عدد كبير منها، تعتقد إيران فى قدرة بعضها على اختراق الدفاعات المعادية لإحداث خسائر بشرية جسيمة وأضرار بالبنى التحتية الحيوية. إذ تعتمد على مسيّرات بسيطة نسبيًا، مزودة برءوس حربية منخفضة الكلفة ومنصات إطلاق سهلة الإنتاج، ما يتيح نشرها بأعداد ضخمة وخلال زمن وجيز، بما ينهك أنظمة الدفاع المعادية.
فمن شأن الإطلاق المتزامن والمكثف لتلك المقذوفات تمكين بعضها من اختراق الدفاعات وبلوغ الأهداف، لا سيما وأن العديد من منظومات الدفاع الجوى الحديثة، كما المنصات البحرية، غير مؤهلة أصلاً للتعامل مع إغراق هجومى متعدد الاتجاهات. ما يجعل الأصول الحربية الأمريكية المرابطة بالقرب من السواحل الإيرانية أهدافًا ذات قيمة استراتيجية عالية، خصوصًا مع بطئها النسبى وسهولة رصدها من لدن أنظمة الاستشعار والرادار.
ولا يزال الغموض يكتنف قدرة تلك الأصول، خصوصًا حاملات الطائرات والمجموعات المرافقة لها، على التصدى لهجمات منسقة تنفذها أسراب المسيّرات منخفضة التكلفة وعالية الإنتاجية، لا سيما تلك الهجومية أحادية الاتجاه المصممة للاصطدام المباشر بالأهداف، والتى تعمل ضمن تشكيلات متزامنة.
إسناد الوكلاء: تتبنى إيران مقاربة متعددة الجبهات تهدف إلى تشتيت القوات الأمريكية فى المنطقة عبر فتح صراعات متزامنة فى مواقع متباعدة، بما يحد من قدرة واشنطن على تركيز قوتها مباشرة ضد أهداف إيرانية. وبالتوازى، ما برحت طهران تتوقع تحرك وكلائها فى «محور المقاومة» على عدة جبهات. فقد أعلن حزب الله اللبنانى أنه يعتبر أى حرب على إيران حربًا عليه، مبديًا استعداده لإمطار إسرائيل وأصول واشنطن العسكرية بالصواريخ والمسيرات، فيما توعد الحوثيون فى اليمن بتكثيف هجماتهم على السفن الأمريكية والإسرائيلية فى البحر الأحمر، بينما تهدد الميليشيات العراقية الموالية لطهران باستهداف شخصيات ومرافق دبلوماسية أمريكية بالمنطقة.
الحرب السيبرانية: تخطط إيران لشن هجمات سيبرانية تستهدف ما تعتبره نقاط ضعف أمريكية فى المنطقة، تشمل شبكات النقل، والبنية التحتية للطاقة، والأنظمة المالية، والاتصالات العسكرية. وتتوخى طهران تعطيل الإمدادات اللوجستية الأمريكية، وإرباك أنظمة القيادة والسيطرة، ونشر الفوضى فى الدول المستضيفة لقواعد وقوات أمريكية.
نقص المقذوفات الأمريكية والإسرائيلية: رغم التفوق العسكرى والتكنولوجى الكاسح لدى واشنطن وتل أبيب، تعول إيران على تقارير تؤكد عجز المقذوفات الصاروخية لديهما، ما يثير تساؤلات خطيرة بشأن الجهوزية الأمريكية للدفاع عن إسرائيل والقواعد الأمريكية بالمنطقة حال تعرضها لهجمات إيرانية. حيث تؤكد تقارير معاناة إسرائيل نقصًا فى المنظومات الدفاعية، وعجزًا فى المنظومات المضادة للمسيرات. وفى ديسمبر الماضى، أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن ورقة بحثية بعنوان «تناقص مخزون الصواريخ الاعتراضية»، سلّطت الضوء على التحدى الذى تواجهه وزارة الحرب الأمريكية فى موازنة استهلاك الصواريخ الاعتراضية فى حروب إيران وأوكرانيا، وسط حاجة ماسة للاحتفاظ بالجهوزية الاستراتيجية. ودقت ناقوس التحذير من أن عدم مضاعفة إنتاج الأسلحة الأمريكية المخصصة للدفاع الجوى والصاروخى قد يعرض واشنطن لخطر الانسحاب أو تقليص التزاماتها الدفاعية فى مناطق متعددة حول العالم.
فبينما استثمرت خمسة مليارات دولار منذ اندلاع حرب أوكرانيا لإنتاج مائة ألف قذيفة مدفعية شهريًا، لم تنتج سوى أربعين ألفًا منها فقط، ما يعكس عجز قاعدتها الصناعية عن تلبية متطلبات حرب عالية الكثافة وطويلة الأمد.
تحديث المنظومات التسليحية الإيرانية: ثمة تقارير غير مؤكدة تفيد بحصول طهران على منظومات تسليحية متطورة من روسيا والصين عقب الضربات الإسرائيلية والأمريكية التى ألحقت أضرارًا جسيمة بالقوات الجوية والمنظومات الدفاعية الإيرانية، كمثل مقاتلات روسية من طراز «ميج ــ 29» و«سو ــ 35»، وأخرى صينية من طراز «جى ــ 10 سى» الملقبة بـ«التنين القوى»، فضلاً عن تسلّم ونشر أنظمة دفاع جوى صينية بعيدة المدى من طراز «إتش كيو ــ 9».
بموازاة انحسار الرهان على وكلائها الإقليميين، تظل السيادة الجوية على سماء إيران أسيرة التفوق الجوى الأمريكى ــ الإسرائيلى. وحال تأكيد صحة التقارير المتعلقة باستجلاب طهران منظومات تسليحية متطورة، ستحتاج قواتها المسلحة فسحة زمنية للتدريب عليها، واستيعابها ودمجها. ورغم تحسن إجراءات التكامل المحلى بين المستشعرات ووسائط الاشتباك، تفتأ إيران تفتقد الاندماج السلس الذى يميز شبكات الدفاع الجوى الغربية المتكاملة. فقد تنجح الدفاعات الإيرانية ضمن نطاق محدود من الأهداف فى تهديد الطائرات غير الشبحية، والمسيرات، وصواريخ كروز، وإجبار المهاجمين على اتباع مسارات معقدة، واستهلاك ذخائر بعيدة المدى، وخوض حملات قمع مطولة، لكنها لا تستطيع بلوغ التفوق الجوى، مواجهة الطائرات الشبحية بموثوقية، أو الصمود أمام عمليات SEAD الأمريكية الممتدة التى تستهدف ضرباتها الأولى الرادارات ومراكز القيادة وبطاريات SAM الرئيسية باستخدام الطائرات الشبحية، والحرب الإلكترونية، وصواريخ كروز التى تطلق جوًا وبحرًا.
علاوة على ذلك، يكابد النظام الإيرانى معضلة انحسار الظهير الشعبى. فإلى جانب الجهوزية والإرادة الجادة، يتطلب نجاح استراتيجية الردع الوطنى دعم الجبهة الداخلية واصطفافها خلف قياداتها، وهو الأمر الذى يتعذر توفره حاليًا وبالمستوى المطلوب فى الحالة الإيرانية.
من منظور آخر، تعتقد المؤرخة الكندية مارجريت ماكميلان أنه إذا كانت الدول القوية ماهرة فى الحروب، فإن الدول الضعيفة تشكل خطورة لا يُستهان بها.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا